ستارمر يكسر محرمات "بريكست".. هل تعود بريطانيا لأوروبا؟

يمثل مطلع عام 2026 نقطة تحول مفصلية في مسار السياسة الخارجية البريطانية مع إعلان رئيس الوزراء، السير كير ستارمر، عن توجه استراتيجي جديد نحو تعميق الروابط الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي.

وفي تصريحات حاسمة أدلى بها اليوم الأحد لشبكة "بي بي سي"، كشف ستارمر عن ضرورة تحرك المملكة المتحدة نحو "تراصف أوثق" مع قواعد السوق الأوروبية الموحدة، مشدداً على أن هذه الخطوة لن تتم إلا إذا كانت تصب في جوهر "المصلحة الوطنية العليا" للبلاد، مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الواقعية الاقتصادية التي تهدف إلى معالجة الركود التجاري وتحفيز النمو المتعثر.

ولاستيعاب أبعاد هذا التحول، لا بد من استحضار سياق "بريكست" (Brexit)؛ تلك اللحظة التاريخية التي جسدت انفصال المملكة المتحدة عن عقود من الاندماج مع الاتحاد الأوروبي إبان استفتاء عام 2016.

واليوم، يتجاوز حديث السير كير ستارمر عن "التراصف" مجرد المناورة السياسية، ليكون بمثابة محاولة جادة لترميم التصدعات التي خلفها الانفصال في جسد التجارة البينية؛ حيث تبدو لندن في عام 2026 وكأنها تبحث عن "منطقة وسطى" ذكية، توازن فيها بين استقلالها السيادي الذي كرسه الخروج، وبين حاجتها الماسة لاستعادة الامتيازات الاقتصادية والانسيابية التجارية مع أكبر أسواقها المجاورة.

وفي حديثه لبرنامج "لورا كوينسبرغ"، أوضح ستارمر أن حكومته ترى في "التراصف مع السوق الموحدة" خياراً استراتيجياً أفضل من الانضمام لـ "الاتحاد الجمركي"، مبرراً هذا التوجه بالحاجة لحماية الصفقات التجارية الضخمة التي أبرمتها لندن مؤخراً مع قوى اقتصادية كبرى مثل الهند والولايات المتحدة.

ويرى رئيس الوزراء أن الحفاظ على استقلالية السياسة التجارية البريطانية يتطلب ابتكار نموذج مرن للتعامل مع بروكسل، مشيراً إلى أن بريطانيا بدأت بالفعل في مطابقة القواعد الأوروبية في قطاعات حيوية مثل الأغذية والزراعة، مؤكداً أن هذا التوجه سيتم تعميمه "قطاعاً بقطاع" لضمان انسيابية السلع وتقليل العقبات البيروقراطية دون المساس بالسيادة.

ورغم هذه النبرة التصالحية تجاه بروكسل، حرص ستارمر على تجديد التزاماته الانتخابية الصارمة، مؤكداً أن حكومته لن تعيد النظر في وعودها بعدم العودة لعضوية الاتحاد الأوروبي أو السوق الموحدة رسمياً، كما استبعد تماماً إنهاء سياسة "حرية الحركة" للمواطنين.

ومع ذلك، دافع ستارمر بقوة عن العودة إلى برنامج "إيراسموس" لتبادل الطلاب ومخطط تنقل الشباب، معتبراً أن هذه الخطوات تمثل قيمة مضافة للاقتصاد والمجتمع، نافياً في الوقت ذاته أن تكون هذه التفاهمات بوابة خلفية لعودة الهجرة غير المنضبطة، بل هي "ضرورة تعليمية وبحثية" تم الترحيب بها على نطاق واسع.

داخلياً، لم يمر هذا التوجه دون عاصفة من الجدل؛ حيث شنت المعارضة المحافظة هجوماً لاذعاً، واصفة تحركات ستارمر بأنها محاولة لـ "تفكيك بريكست" من الداخل واستخدامه كذريعة للفشل الاقتصادي، وهو ما أكدته وزيرة خارجية الظل، بريتي باتيل. في المقابل، يواجه ستارمر ضغوطاً من "أجنحة الصقور" داخل حزب العمال والنقابات العمالية التي ترى في العلاقة الوثيقة مع بروكسل المحرك الوحيد لإنعاش الاقتصاد.

ومع تزايد الأصوات المطالبة بنماذج تعاون مرنة تشبه "اتفاق تركيا" لتجاوز تعقيدات فحوصات المنشأ، يبدو أن عام 2026 سيكون عام "التراصف الذكي" الذي يحاول فيه ستارمر الموازنة بين هوية بريطانيا المستقلة وواقعها الجغرافي والاقتصادي كجزء من أوروبا.

تأتي تحركات ستارمر في وقت حساس للغاية؛ حيث تشير التوقعات الاقتصادية لعام 2026 إلى نمو طفيف لا يتجاوز 1.4%، بينما يرزح الاقتصاد تحت وطأة دين حكومي يلامس 95% من الناتج المحلي الإجمالي. ويرى الخبراء أن "التراصف الذكي" مع أوروبا يهدف بالأساس إلى وقف النزيف المالي الناتج عن حواجز "بريكست" التجارية، والتي كلفت الاقتصاد البريطاني ما يعادل 100 مليار جنيه إسترليني سنوياً.

إن رهان ستارمر اليوم ليس سياسياً فحسب، بل هو محاولة أخيرة لإنقاذ الاستثمار الذي وصل إلى أدنى مستوياته بين دول مجموعة السبع، مما جعل "التوجه شرقاً" نحو بروكسل ضرورة لا ترفاً.

على الصعيد السياسي، كشفت تصريحات ستارمر عن "تصدعات" داخل كابينة الحكم؛ حيث يضغط وزراء بارزون مثل وزير الصحة ويس ستريتنج نحو "اتحاد جمركي" كامل، معتبرين إياه المسار الأسرع لتحقيق النمو.

إلا أن ستارمر، في مناورة دفاعية، حذر خصومه الداخليين من أن العودة للصراعات العلنية حول أوروبا "ستفتح الباب على مصراعيه" لليمين المتشدد بقيادة نايجل فاراج وحزب "إصلاح بريطانيا"، الذي تشير استطلاعات الرأي في مطلع 2026 إلى صعود شعبيته بنسبة 30%، مستفيداً من حالة عدم اليقين التي تغلف علاقة لندن بجيرانها الأوروبيين.