حين يعيد التاريخ نفسه، فإنه يفعل ذلك غالباً في قالب من المفارقات المريرة؛ فقبل قرابة قرن كامل، اهتز العرش البريطاني حين تخلى الملك إدوارد الثامن عن التاج نزولاً عند رغبته في الارتباط بامرأة أمريكية مطلقة، لينتهي به المطاف منخرطاً في أروقة الدعاية والإعلان بحثاً عن مصدر للرزق.
واليوم، يبدو أن الحفيد الأمير هاري يسير على الخطى ذاتها ولكن بنسخة عصرية صاخبة. فبعد مسيرة في كاليفورنيا طبعتها الصدامات الإعلامية والمشاريع المتعثرة، تقف العلامة التجارية لهاري وميغان اليوم عند مفترق طرق حاسم؛ فبين إخفاق صفقات البث الكبرى وتراجع أصداء المشاريع الترفيهية، تفتح عودة الزوجين المفاجئة إلى المملكة المتحدة باب التساؤلات واسعاً حول مستقبل هويتهما العامة، ومدى قدرتهما على إعادة صياغة حضورهما بعيداً عن أضواء القصر الملكي، وسط محاولات مستمرة للبحث عن موطئ قدم مستدام بين هوليوود وريف إنجلترا.
قطف التوت
في أواخر يوليو، ومع إشراقة هادئة لفيديو مصور بعناية تظهر فيه وهي تلتقط الفاكهة برقة، أطلقت دوقة ساسكس نطاق أسلوب حياتها الخاص الذي يحمل اسم "أز إيفر" (As ever)، مقدمةً مربى توتياً غنياً وحيوياً صُمم خصيصاً للارتقاء بالتفاصيل اليومية البسيطة وإلهام لحظات البهجة المفعمة بالحياة.
ولكن بعد شهر واحد فقط، يعود الأمير هاري وميغان للإقامة في المملكة المتحدة تماماً مع انقضاء موسم التوت وسقوط أوراقه؛ في تناغم موسمي دقيق يوحي برمزية بصرية وفنية عميقة، وكأن العودة جاءت لتغلق دائرة وتبدأ فصلاً جديداً على الشواطئ البريطانية، وإن كان الخبراء يؤكدون أن العلامة التجارية برمتها تقف اليوم أمام محك حقيقي ومفترق طرق خطير.
مفترق طرق
فبعد انسحاب دوق ودوقة ساسكس المتوتر من العائلة المالكة في عام 2020، أخفقت المشاريع التي ميزت بدايتهما الجديدة في كاليفورنيا - بدءاً من البث التدفقي وصولاً إلى العطور الخاصة - في استقطاب جماهير واسعة.
لقد فاجأت عودة الثنائي الملكي إلى المملكة المتحدة الأوساط العامة، وسط تساؤلات حارقة حول دوافع هذا التحول، لاسيما وأن عودتهما لن تكون كأفراد عاملين في العائلة المالكة؛ فما هي الخيارات البديلة المتاحة أمامهما؟
تشير التقارير إلى وجود محادثات تجريها ميغان ماركل لتولي دور تمثيلي في مسلسل الجريمة الكوميدي الشهير "ذا جينتللمن" (The Gentlemen) على شبكة نتفليكس.
وفي المقابل، يواجه الأمير هاري وستة مدعين آخرين مخاطر تحمل فاتورة قانونية ضخمة تصل إلى 34.5 مليون جنيه استرليني على خلفية قضية خصوصية قضائية.
تشتت العلامة
وفي هذا السياق، يوضح أندرو ستيفن، أستاذ التسويق في كلية سعيد للأعمال بجامعة أكسفورد، أن دوق ودوقة ساسكس استطاعا جذب اهتمام عالمي غير مسبوق وتحقيق مكاسب مالية سريعة عقب انتقالهما إلى الولايات المتحدة، إلا أنهما أخفقا في تحويل تلك الفورة الأولية إلى حضور مستدام لعلامة تجارية راسخة.
ويضيف أن تعدد مشاريعهما وتشتتها بين مجالات التأثير الاجتماعي، والإنتاج الترفيهي، ونمط الحياة، أدى إلى ضبابية واضحة في تحديد الهوية الفعلية لعلامتهما التجارية.
بعد الانفصال عن العائلة المالكة، قال آل ساسكس إنهما سيعملان ليصبحا مستقلين مالياً. وبدآ حياتهما كمدنيين بإجراء مقابلات حول علاقتهما بالعائلة المالكة قبل التحول إلى مجالات اهتمام جديدة تشمل الإنتاج الإعلامي.
ويهدف الزوجان، وفقاً لبيان المهمة الخاص بشركة الإنتاج التابعة لهما "أرشويل برودكشنز" (Archewell Productions)، إلى تسليط الضوء على إنسانيتنا المشتركة. وقد واصلا الترويج لألعاب "إينفيكتوس" (Invictus Games) العسكرية، وأطلقا مشاريع خيرية من خلال مؤسسة "أرشويل فيلانثروبيز" (Archewell Philanthropies).
أرقام مخيبة
وقد تم تداول تقارير واسعة النطاق تفيد بأنهما كسبا 100 مليون دولار (73 مليون جنيه استرليني) من صفقة كبرى مع نتفليكس في عام 2020، إلى جانب اتفاق بقيمة 25 مليون دولار (18 مليون جنيه استرليني) مع سبوتيفاي.
ولكن بحسب معظم المعايير، يصعب وصف أي من هذين المشروعين بالناجح؛ فقد أسفرت سنوات العقد الخمس مع نتفليكس عن خمسة عروض فقط سجلت أرقام مشاهدة مخيبة للآمال، بينما أعلنت سبوتيفاي في عام 2023 عن إنهاء الشراكة المتبادلة وعدم تجديد بودكاست ميغان "أركيتيبس" (Archetypes).
ويقول ستيفن إن أحد التحديات الكبرى التي تواجه الثنائي عند عودتهما هو ارتباطهما مجدداً بالعائلة المالكة؛ الأمر الذي قد يقوض محاولتهما بناء علامة تجارية أمريكية مستقلة للنجومية.
وتقول خبيرة العلامات التجارية سوزان فورنيير إن تنقل الزوجين المستمر بين الأدوار يمثل مخاطرة كبرى، مؤكدة أن الانعطافات الجذرية تمنع العلامة التجارية من استعادة مكانتها السابقة.
سحر الريف
يمتلك الزوجان مصادر دخل أخرى من مبيعات مذكرات هاري "سبير" (Spare)، بينما يدرسان الانتقال المرتقب إلى ملاذ الأثرياء والمشاهير في منطقة كوتسولدز الريفية الساحرة.
وهنا تبرز رؤية لورا ستولوف، المدسقة الإبداعية التي ترى ارتباطاً طبيعياً وفطرياً بين فلسفة علامة ميغان لأسلوب الحياة وبين سحر الحياة الريفية الإنجليزية، مؤكدة أن هذا الانتقال قد يمنح العلامة بعداً أعمق عبر بناء "جسر عاطفي عالمي" يربط بين الحنين البريطاني الكلاسيكي وشغف الجمهور الأمريكي الواسع بتلك الثقافة الفريدة.
رغم ذلك، يحذر الخبراء من أن تغيير الرمز البريدي ومكان الإقامة لا يكفي لإصلاح الصورة العامة، مشددين على أن السلوك الفعلي والثبات المؤسسي يمثلان الفيصل الحقيقي في نجاح واستدامة أي علامة تجارية في المستقبل.
اعتبر كبير خدم ملكي سابق أن عودة الأمير هاري المفاجئة إلى بريطانيا كانت أمراً متوقعاً منذ فترة، بسبب علاقته الوثيقة بوالده الملك تشارلز خلال طفولته.
وقال غرانت هارولد، في حديث خاص لصحيفة «الإندبندنت»، إن هاري كان «فتى أبيه المدلل» في سنوات شبابه، وإن عودته لإعادة بناء علاقته بوالده كانت مسألة وقت، بعد القطيعة التي نشبت عقب تخليه هو وزوجته ميغان ماركل عن الحياة الملكية قبل ست سنوات.
لكن هارولد حذّر من أن دوقة ساسكس قد تواجه صعوبة في التأقلم مجدداً مع الحياة في بريطانيا، ملمحاً إلى أن زوجها ربما وضع أمامها «إنذاراً نهائياً» بشأن العودة إلى المملكة المتحدة.
كما حذّر من أن الأمير ويليام قد يكون «غاضباً» من عودة شقيقه، في ظل الخلاف العلني بينهما، وبعد سلسلة الاتهامات التي وجهها هاري إلى ويليام، وكيت ميدلتون، والملك تشارلز، والملكة كاميلا في مذكراته «سبير».
ولا تقتصر أهداف العودة على التقارب مع الملك، إذ من المقرر أن يلتحق آرتشي وليليبت بالمدرسة في بريطانيا، بما يسمح لهما بالتواصل بصورة أكبر مع أفراد العائلة والأصدقاء المقربين من والديهما.
بعيد المنال
لكن المصالحة مع الأمير ويليام تبدو بعيدة المنال، إذ تشير المصادر إلى استمرار القطيعة بين الشقيقين، مع رفض ويليام التحدث إلى هاري.
وبالتالي، لا يُتوقع أن يلتقي آرتشي وليليبت بصورة منتظمة مع أبناء ويليام وكيت ميدلتون، الأمير جورج والأميرة شارلوت والأمير لويس.
في المقابل، يتمتع هاري وميغان بعلاقة وثيقة بالأميرة يوجيني، ابنة عم هاري، وزوجها جاك بروكسبانك وأطفالهما، كما تمتد علاقاتهما إلى أصدقاء وأفراد عائلة آخرين في بريطانيا.
ورغم العودة، لن يبيع الزوجان منزلهما الفخم في مونتيسيتو بولاية كاليفورنيا، والذي تبلغ قيمته نحو 14.5 مليون دولار، ما يؤكد أن الخطوة ليست عودة نهائية إلى بريطانيا.
وتظل مسألة الأمن العقبة الأبرز أمام إقامة هاري وعائلته في المملكة المتحدة؛ خصوصاً أن الأمير يخوض منذ سنوات معركة قانونية للحصول على حماية أمنية مماثلة لتلك التي يحصل عليها كبار أفراد العائلة المالكة العاملون.
وكان هاري قد قال العام الماضي: «لا أستطيع أن أرى عالماً أعيد فيه زوجتي وأطفالي إلى المملكة المتحدة في هذه المرحلة».
وكان هاري (41 عاماً) وميغان (45 عاماً) قد غادرا بريطانيا إلى الولايات المتحدة عام 2020 على خلفية خلافات حادة مع العائلة الملكية، ومنذ ذلك الوقت، ظلا ينتقدان العائلة المالكة ومؤسساتها بشدة في المقابلات والأفلام الوثائقية التلفزيونية وكذلك في السيرة الذاتية لهاري.


