مع إعلان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر استقالته صباح اليوم الإثنين، تكون المملكة المتحدة قد دخلت رسمياً مرحلة «الباب الدوّار» في صدارة الحكم؛ إذ يصبح ستارمر سادس زعيمٍ يقف أمام مقرّ الحكومة في «10 داونينغ ستريت» ليُعلن رحيلاً مبكراً خلال نحو عقد، فيما يستعدّ البلد لاستقبال سابع رئيس وزراءٍ له في هذه المدة القصيرة، وفق ما أوردته شبكة «إن بي سي نيوز» وصحيفة «واشنطن بوست».
والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا صار النظام السياسي البريطاني، الذي طالما عُدّ نموذجاً للاستقرار البرلماني، عاجزاً عن إنتاج قيادةٍ قوية ذات برنامج سياسي واضح وقدرة على تنفيذه؟
والمفارقة، كما يُجمع المحلّلون البريطانيون، أن الخلل ليس في النظام السياسي نفسه ولا في قدرة مؤسسات الدولة على أداء وظائفها. ففي قراءةٍ لمعهد الحكومة البريطاني (Institute for Government)، يخلص الباحثون إلى أن المملكة المتحدة ليست بلداً يستعصي حُكمه، بل ما تزال تملك المؤسسات والقواعد والثقافة اللازمة للنجاح، وحيثما يعتريها قصورٌ فإنّ لديها وسائل الإصلاح والاستبدال. وما نقص في السنوات الأخيرة، بحسب المعهد، هو قيادةٌ قادرة على مواءمة المشروع السياسي مع جهاز الدولة الإداري، وتملك الجرأة على مصارحة الناس بالخيارات الصعبة والمهارة في تقديم رؤيةٍ لوجهة البلاد.
تشابهت الأسباب
يذهب المؤرّخ أنتوني سيلدون، كاتب سِيَر آخر ثمانية رؤساء وزراء بريطانيين، إلى الخلاصة ذاتها في حديثٍ إلى شبكة «سي إن إن»، مؤكّداً أن بريطانيا ليست عصيّةً على الحكم قطعاً، وإن كان بعض رؤساء الوزراء قد اجتهدوا في جعلها كذلك. ويعزو سيلدون الإخفاق إلى الأشخاص لا إلى النظام، واصفاً جونسون بأنه كان «روزفلتياً» في الطموح لا في الإنجاز، وتراس بأنها كانت «ريغانية» في حماستها الأيديولوجية لاقتصاد السوق الحر.
منذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016، تعاقب على رئاسة الحكومة ديفيد كاميرون، وتيريزا ماي، وبوريس جونسون، وليز تراس، وريشي سوناك، ثم ستارمر. وتكشف هذه السلسلة عن نمطٍ متكرّر خلاصته أن رئيس الوزراء البريطاني لا يسقط بانقلابٍ دستوري أو ثورةٍ شعبية، بل حين يفقد السيطرة على كتلته البرلمانية. فالنظام برلماني، يبقى الزعيم في الحكم ما دام قادراً على قيادة الأغلبية في مجلس العموم؛ فإذا تمرّد النواب أو خشوا على مقاعدهم، استطاعوا دفعه إلى الاستقالة دون انتخاباتٍ عامة فورية.
بريكست... الجرح الغائر
لم يُنهِ استفتاء 2016 الخلاف، بل نقله إلى قلب الدولة. فقد رحل كاميرون إثر خسارته الاستفتاء، وعجزت ماي عن تمرير صيغتها للخروج، وصعد جونسون بشعار «إنجاز بريكست» ليرث مجتمعاً وحزباً أشدّ انقساماً. وغداً الثلاثاء، تُحيي بريطانيا الذكرى العاشرة لتصويتها على مغادرة الاتحاد، وهو قرارٌ ما يزال يربك اقتصادها وسياستها، بحسب «إن بي آر». وتُقدّر تحليلاتٌ اقتصادية أن الخروج خفّض الناتج المحلّي للفرد بنسبةٍ تصل إلى 8%، وفق ما أوردته «سي إن إن».
من أبرز التجليات تبدّل سلوك الحزب الحاكم تجاه قائده؛ فبعد أن كان يمنحه وقتاً أطول، صار النواب يتحرّكون بسرعةٍ متى رأوا في الزعيم تهديداً لمستقبلهم. وأبرز شاهدٍ على ذلك أزمة يوليو 2022، حين تحوّلت الاستقالات الوزارية تحت جونسون إلى طوفان؛ فقد بلغ إجمالي المستقيلين من جميع المناصب الحكومية والحزبية ما يزيد على خمسين في ظرف يومين، ما جعل بقاءه مستحيلاً، وفق ما وثّقته شبكة «سي إن إن» ومجلة «تايم».
خذ أيضاً ليز تراس، التي لم تسقط بتصويتٍ انتخابي، بل لأن خطّتها الاقتصادية (خفضٌ ضريبيٌّ غير مموّل)، صدمت الأسواق ورفعت كلفة الاقتراض وكادت تدفع بالأسواق المالية إلى الانهيار، فأطاح بها حزبها بعد أن رفض مصرف إنجلترا إنقاذها، لتغدو أقصر رؤساء الوزراء عمراً في التاريخ البريطاني بـ44 يوماً، بحسب «سي إن إن». وهنا تتّضح المعادلة؛ رئيس الوزراء البريطاني لا يحتاج إلى أغلبيةٍ حزبية فحسب، بل إلى طمأنة الأسواق والناخبين والمؤسسات في آنٍ واحد، فإذا انهار أحد هذه الأعمدة تداعى موقعه بسرعة.
صدمة الواقع
يدخل رئيس الوزراء «داونينغ ستريت» محمّلاً بوعود إصلاح الصحة وضبط الهجرة وخفض الضرائب ورفع الأجور، ليصطدم بواقعٍ صعب؛ نموٌّ ضعيف، وتضخّم، وديون متصاعدة. وتكشف قراءات عمق هذا الإرث، إذ لم تتعافَ بريطانيا فعلياً من أزمة 2008 المالية، وظلّت الأجور الحقيقية راكدة، حتى صارت سندات الحكومة البريطانية الأعلى عائداً بين دول مجموعة السبع وفي ذاك مؤشّرٌ على ثقل الدَّين. وقد طال هذا الإنهاك ستارمر نفسه، إذ أخفق في تحقيق النمو الموعود وإصلاح الخدمات العامة وتخفيف كلفة المعيشة، بحسب «إن بي آر».
الملاحظ أن ما كان يستغرق شهوراً ليتحوّل إلى تمرّدٍ داخلي صار يكفيه اليوم خطأ أو فضيحة أو استطلاعٌ سيّئ أو نتيجة انتخاباتٍ محلية ضعيفة. فالسياسة البريطانية باتت تعيش على إيقاعٍ يومي لا يمنح الحكومات فرصةً لبناء سرديةٍ طويلة الأمد، لوسائل التواصل الاجتماعي دور كبير في ذلك.
قوى صاعدة
في خضم هذا التخبط، شهدت الساحة السياسية البريطانية دخول قوى سياسية ذات توجهات وأهداف شتت ولاءات الناخبين للحزبين الكبيرين، حيث لم تعد المنافسة محصورةً بين المحافظين والعمال؛ بعد صعود قوى مثل «ريفورم يو كيه» بزعامة نايجل فاراج.
وفي حالة ستارمر تحديداً، تصاعدت الدعوات إلى رحيله منذ مايو الماضي، حين مُني حزب العمال بإحدى أسوأ هزائمه في الانتخابات المحلية والإقليمية، خاسراً أكثر من 1000 مقعدٍ في المجالس المحلية، في نتيجةٍ فُسّرت رفضاً شعبياً لأدائه. وقد تُوّج هذا المسار بعودة منافسه أندي برنهام، عمدة مانشستر الكبرى الأسبق، إلى البرلمان عبر انتخاباتٍ فرعية، ليغدو المرشّح الأوفر حظاً لخلافته.
خلاصة المشهد أن المعضلة البريطانية هي أزمة قابليةٍ للحكم، لا أزمة دستور. فالدستور العرفي يعمل، والبرلمان قائم، والأحزاب فاعلة، لكنّ المجتمع منقسم، والاقتصاد ضاغط، والأحزاب خائفة، والزعيم يُستهلك سريعاً.





