لعنة "كوهينور" تلاحق الملك تشارلز في نيويورك

لم يعد ملف ماسة "كوهينور" – (جبل النور) مجرد نزاع تاريخي في أروقة المتاحف، بل تحول إلى مواجهة سياسية حية كسرت صرامة "البروتوكول الملكي" فوق السجادة الحمراء في نيويورك. ففي خطوة تجاوزت حدود اللياقة الدبلوماسية المعتادة، اختار عمدة نيويورك زهران ممداني توقيتاً حرجاً لمطالبة الملك تشارلز الثالث بإعادة الجوهرة المنهوبة، واضعاً التاج البريطاني في اختبار أخلاقي مباشر أمام كاميرات الصحافة الدولية خلال زيارته الرسمية التي تستغرق أربعة أيام.

قبيل حفل تكريم ضحايا هجمات 11 سبتمبر بساعات، فجر ممداني (الذي ينحدر من جذور هندية) قنبلة صحفية بقوله: "لو تحدثت إلى الملك بشكل منفصل، سأحثه فوراً على إعادة كوهينور".

ورغم أن الصور أظهرت العمدة والملك وهما يتصافحان لاحقاً، إلا أن هذا التصريح بحد ذاته يعد خرقاً لـ "بروتوكولات التاج" التي تفرض تجنب إحراج الملك بمطالب سياسية خلال الزيارات الرسمية، مما ترك قصر باكنغهام في حالة من الصمت المريب حيال ما دار خلف الكواليس.

الطاووس المغولي

تعود تسمية الماسة بـ "كوهينور" إلى اللغة الفارسية، وترجمتها الحرفية هي "جبل النور". وتقول الأساطير إن القائد الفارسي نادر شاه هو من أطلق عليها هذا الاسم عام 1739 حين ذُهل ببريقها الذي يشبه تدفق الضوء من قمة شاهقة.

ومنذ تلك اللحظة، تحولت الماسة من رمز لعرش الطاووس المغولي إلى درة التاج البريطاني، لكنها ظلت في الوجدان الهندي رمزاً للسيادة المفقودة التي لا يمكن استعادتها إلا بعودة الحجر إلى موطنه الأصلي.

لا تتوقف إثارة الماسة عند جمالها، بل في لغة الأرقام الصادمة التي تحيط بها؛ فرغم أن قيمتها السوقية تقدر بنحو 500 مليون دولار، إلا أن التاج البريطاني تسبب في فقدانها 40% من وزنها الأصلي.

فبعد وصولها للندن، أُعيد قطع الماسة عام 1851 لتستقر عند 105.6 قيراط (بحجم بيضة دجاجة)، وهي تتوسط اليوم تاج الملكة إليزابيث الأم الذي يضم وحده 2800 ماسة إضافية، في مشهد يجسد ذروة الثراء والهيمنة الملكية.

لعنة الملوك

تكتسب القصة طابعاً درامياً بفضل أسطورة "اللعنة" التي تلاحق أي حاكم رجل يرتديها. فمنذ نصوص قديمة تعود لعام 1306، حذر الكهنة من أن الماسة تجلب الدمار للرجال وتمنح الحماية للنساء فقط. ويبدو أن القصر يحترم هذه "اللعنة" حرفياً؛ إذ لم يرتدِ ملوك بريطانيا الرجال هذه الماسة أبداً، وصولاً إلى قرار استبعادها من تتويج الملكة كاميلا الأخير تجنباً لـ "لعنة سياسية" مع الهند، واستبدالها بتاج الملكة ماري الذي أُخرج خصيصاً من "برج لندن" لهذا الحدث.

يكتسب هذا الملف ثقلاً أخلاقياً لأنه يعيد تعريف التاريخ؛ فما تسميه لندن "هدية"، يصفه الواقع بأنه "نهب بحد السيف". ففي عام 1849، وعقب الحرب الأنجلو-سيخية، أُجبر الملك الطفل دليب سينغ (10 سنوات) على التوقيع على "معاهدة لاهور" للتنازل عن الجوهرة بينما كانت والدته في السجن.

هذه الرمزية القاسية هي ما دفع أصواتاً مثل ممداني لرفض منطق ديفيد كاميرون (رئيس وزراء بريطانيا الأسبق) الذي اعتبر في 2013 أن إعادة الماسة ليس أمراً "منطقياً".

إن مواجهة ممداني للملك في قلب نيويورك، تزامناً مع زيارته الرسمية للولايات المتحدة التي تستغرق أربعة أيام، تضع "هيبة" الملكية البريطانية على المحك.

فالملك الذي جاء للمشاركة في حفل تكريم ضحايا هجمات 11 سبتمبر وجد نفسه أمام هجوم من نوع آخر؛ هجوم يطالب بتصحيح التاريخ.

إن التنازل عن "جبل النور" في هذا التوقيت الحساس يعني فتح "صندوق باندورا" لمطالبات قانونية وأخلاقية لاستعادة آلاف القطع المنهوبة الأخرى.

ومع صعود هذه الأصوات الجريئة في قلب مراكز القرار الأمريكي عام 2026، يبدو أن بريق الماسة سيظل يسلط أضواءً كاشفة على ملفات لا يملك الملك تشارلز القدرة على إغلاقها، مهما حاول الاحتماء بصرامة البروتوكول خلال الأيام المتبقية من رحلته.

ومع صعود القوى الدولية الصاعدة، يبدو أن بريق الكوهينور سيظل يسلط أضواءً كاشفة على ملفات "النهب الاستعماري" التي لا يملك الملك تشارلز القدرة على إغلاقها، مهما حاول الالتزام بصرامة البروتوكول.