هؤلاء هم "الأوليغارش"؛ أباطرة المال الذين ظنوا يوماً أنهم يملكون من الأقدارِ مفاتيحاً فريدة، قبل أن يروضهم بوتين بمعادلةٍ صارمة: "لكم المال لتجمعوه، ولنا القرار لتصنعوه".
وتعد هذه التطورات أخباراً جيدة للرئيس الروسي؛ إذ فشلت العقوبات الغربية في تحويل فئة الأثرياء إلى معارضين له، بل إن سياساته التي اعتمدت على مبدأ "العصا والجزرة" حولتهم إلى داعمين صامتين.
في تلك الحقبة، لم تكن السلطة هي من تمنح المال، بل كان المال هو من يصنع السلطة ويجلسها على عرش الكرملين.
لكن بمجرد وصول بوتين، قلبت "المقايضة الكبرى" الموازين؛ فاستُبدل جيل "الأباطرة المستقلين" الذين هندسوا السياسة، بجيل "الأثرياء التابعين" الذين يديرون الثروة كأمانةٍ مؤقتة، يملك الكرملين حق استردادها في أي لحظة يختل فيها ميزان الولاء.
وبالفعل، بيع البنك بـ 3% فقط من قيمته الحقيقية لشركة مرتبطة بـ "فلاديمير بوتانين"، خامس أغنى رجل في روسيا، ليخسر تينكوف نحو 9 مليارات دولار ويغادر البلاد مطروداً.
وبموت بيريزوفسكي، ماتت الأوليغارشية بمفهومها القديم، وهو ما اتضح جلياً عندما استدعى بوتين أثرياء روسيا للكرملين ليلة 24 فبراير 2022؛ حيث ظهروا بوجوه شاحبة ومنهكة من قلة النوم، ولم يكن بوسعهم الاعتراض حين أُبلغوا بضرورة العمل في "الظروف الجديدة"، رغم إدراكهم أن ثرواتهم ستتلقى ضربة قاصمة.
ووفقاً لمجلة فوربس، فإن أكثر من نصف المليارديرات الروس لعبوا دوراً في إمداد الجيش، مما رفع عددهم هذا العام إلى مستوى قياسي بلغ 140 مليارديراً بإجمالي ثروة قدره 580 مليار دولار.
وبسبب العقوبات الغربية التي جمدت الأصول وصادرت الممتلكات في الخارج، وجد الأثرياء أنفسهم مضطرين للاحتماء بالدولة، مما ساعد بوتين في الواقع على تعبئة أموالهم لدعم اقتصاد الحرب بدلاً من تحريضهم ضده.
وفي عام 2024 وحده، ظهر 11 مليارديراً جديداً في روسيا بفضل هذه الآلية، مما يؤكد أن الرئيس الروسي حافظ على قبضة حديدية على مراكز القوى المالية في البلاد، ليس فقط رغم الحرب والعقوبات الغربية، بل في كثير من الأحيان بفضلهما؛ حيث أصبح التمرد مستحيلاً مادياً وسياسياً، وباتت الثروة في روسيا رهينةً بالولاء المطلق للكرملين.
