سلام مؤجل بين موسكو وكييف بانتظار حسم شروط التفاوض

رجال إطفاء يخمدون حريقاً في موقع ضربة بطائرة مسيّرة روسية قرب مدينة أوديسا الأوكرانية
رجال إطفاء يخمدون حريقاً في موقع ضربة بطائرة مسيّرة روسية قرب مدينة أوديسا الأوكرانية

تتجه الحرب الأوكرانية إلى مرحلة سياسية أكثر كثافة، مع تزايد المؤشرات على محاولة إعادة إطلاق مسار تفاوضي ثلاثي يجمع روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة خلال أكتوبر، بعد أشهر من الجمود.

وبينما تُظهر موسكو وكييف استعداداً للعودة إلى الطاولة، تكشف المواقف المعلنة أن الخلاف لم يعد يدور حول مبدأ التفاوض بقدر ما يتمحور حول شروطه، ومكانه، وترتيب القضايا المطروحة، وفي مقدمتها الأراضي ووقف إطلاق النار وصيغة اللقاءات السياسية العليا.

وفي موازاة ذلك، تتسع دائرة الدول المستعدة للوساطة أو استضافة المحادثات، من تركيا والإمارات إلى الصين والهند، بما يعكس تحولاً في الصراع من مواجهة عسكرية طويلة إلى معركة دبلوماسية على شكل التسوية وحدودها وضماناتها.

وتتقاطع التصريحات الصادرة من موسكو وكييف حول احتمال استئناف المحادثات الثلاثية خلال أكتوبر، فالكرملين لا يستبعد عودة المفاوضات في ذلك الشهر، فيما أعلنت الرئاسة الأوكرانية أنها تستعد فعلياً لمسار ثلاثي بوساطة أمريكية، من دون تحديد موعد أو مكان حتى الآن.

وكانت جهود الوساطة الأمريكية قد توقفت مع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط في فبراير، قبل أن تعود واشنطن أخيراً إلى تحريك الملف عبر إرسال ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو ثم كييف.

وأشار كوشنر إلى إمكانية الإعلان خلال أسبوعين عن الخطوات المقبلة، في مؤشر على أن الاتصالات تجاوزت مرحلة جس النبض إلى البحث في آليات استئناف الحوار.

ويراهن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على استئناف المفاوضات في أقرب وقت، بينما ترى موسكو أن الحوار ممكن لكنه شديد التعقيد، خصوصاً في ظل عدم وجود حزمة متفق عليها حتى الآن.

عقدة شروط

وتظل قضية الأراضي في صدارة الخلافات السياسية، إذ تؤكد موسكو ضرورة التوصل إلى اتفاق بشأنها، إلى جانب ملفات أخرى لم تُحسم بعد.

ولم تنتج الجولات السابقة سوى عمليات تبادل أسرى وجثامين، بينما بقيت التسوية السياسية بعيدة بسبب التباعد في الشروط الأساسية.

وفي الوقت نفسه، تؤكد روسيا استعدادها للمفاوضات، لكنها ترفض وقف العمليات العسكرية طوال فترة التفاوض. وشدد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف على أن موسكو لن تقبل وقف إطلاق نار متزامناً مع المحادثات، وهو موقف يضع أحد أبرز مطالب أي مسار تفاوضي أمام اختبار مبكر.

وتزداد التعقيدات مع الخلاف حول عقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي، فقد أبدى الرئيس الأوكراني استعداده للقاء نظيره الروسي على هامش قمة مجموعة العشرين في ميامي خلال ديسمبر، لكن موسكو رفضت هذا الاحتمال وأصرت على أن أي لقاء يجب أن يُعقد في موسكو، وهو شرط رفضته كييف.

وفي قمة بريكس في دلهي، عرض الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي المساعدة في دفع جهود التسوية.

ورحب بوتين بهذه المبادرات وقدم عرضاً لتطورات الموقف. وتكشف هذه التحركات رغبة قوى غير غربية في الدخول بصورة أكبر على خط الوساطة، بالتوازي مع الدور الأمريكي المباشر.

تصعيد

ورغم صعود المسار الدبلوماسي، لا يزال التصعيد العسكري يضغط على أي فرص سياسية، فقد أعلنت القوات الأوكرانية استهداف مصفاة «سلافيانسك-إيكو» في منطقة كراسنودار.

إضافة إلى مهاجمة مصفاة تانيكو في تتارستان، في استمرار لضرب منشآت داخل العمق الروسي. وفي المقابل، اتهم مسؤول روسي أوكرانيا باستهداف شاحنات تنقل وقود الديزل إلى محطة زابوريجيا النووية، ما أدى إلى مقتل جنديين وإصابة آخرين.

وتكتسب هذه الاتهامات حساسية خاصة لأن الوقود ضروري لتشغيل مولدات التبريد عند انقطاع الكهرباء الخارجية، فيما تتبادل موسكو وكييف منذ سنوات الاتهامات بشأن تعريض المحطة، التي تضم 6 مفاعلات وتسيطر عليها روسيا، للخطر.

كما أُعلن عن إصابة 5 أشخاص في أوديسا جراء هجوم روسي بمسيّرات، في وقت تستمر فيه المواجهة عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة رغم تجمد نسبي لخطوط القتال في شرق أوكرانيا.

ويشير تزامن التصعيد العسكري مع الحراك السياسي إلى أن مفاوضات أكتوبر، إذا انطلقت، لن تبدأ من أرضية توافق، بل من سباق بين ضغط الميدان ومحاولات إعادة تعريف شروط التسوية.

فكل طرف يسعى إلى دخول الحوار وهو يحتفظ بأدوات القوة السياسية والعسكرية، بينما تتحرك واشنطن وقوى دولية أخرى لمحاولة تحويل تعدد الوساطات إلى مسار تفاوضي قابل للاستمرار بعد أكثر من 4 أعوام ونصف العام من الحرب.