مع احتدام الهجمات بين روسيا وأوكرانيا في الآونة الأخيرة واستهدافها العمق، تلوح في الأفق بوادر مواجهة حتمية بين الناتو وموسكو. وتحوّل هذه المواجهة من حرب باردة إلى مواجهة نارية مسألة وقت في سياق تصعيدي وليس دفاعياً كما جرت العادة خلال العقود الثلاثة الماضية، في حين سيكون لعامل «الردع النووي» دور حاسم في تحديد موقف التصعيد المرتقب.
تتصدر لغة التصعيد المشهد السياسي والميداني في الأزمة الأوكرانية، وسط تحذيرات روسية صريحة من اتساع رقعة النزاع وتحوّله إلى مواجهة مباشرة مع دول الغرب بقيادة حلف شمال الأطلسي.
مواجهة
يؤكد محللون أن الصراع في جوهره ليس بين موسكو وكييف، بل هو مواجهة مباشرة بين روسيا وحلف الناتو وأوروبا ككل، نتيجة غياب هيكل الأمن الجماعي واستمرار التوسع الغربي شرقاً.
يرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الدول الغربية بدأت تتجاوز مرحلة تقديم الدعم لكييف لتستعد لخوض حرب حقيقية ضد روسيا، مستنداً إلى تصاعد الإنفاق الدفاعي الأوروبي.
تصريحات بوتين، أول من أمس، أن الغرب، بقيادة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يستعد لحرب ضد روسيا، وتحذيره من تحول الدعم الغربي لكييف إلى استعدادات حقيقية من حلف الناتو لمواجهة مباشرة مع روسيا، وتهديده بحرب نووية، تحمل رسالة قوية على أن التصعيد لا يخدم الجانبين لا سيّما بعد تحذير سيرغي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي من أن أي توجه غربي نحو مواجهة مباشرة مع روسيا أو المساس بأمنها القومي سيقود إلى «عواقب كارثية» على الدول التي تقدِم على مثل هذه الخطوة.
وإذا أضيف لهذه التراكمات عوامل أخرى، قد تخرج الأزمة نهائياً عن السيطرة، كتصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن البحرية الفرنسية اعترضت ناقلة نفط أثناء مرورها قرب سواحل صقلية، في ما وصفه بأنه أحدث إجراء تتخذه بلاده ضد «أسطول الظل» الذي تستخدمه روسيا لشحن النفط والغاز والتحايل على العقوبات الغربية. وشدد على أن أوروبا ستتخذ كل ما يلزم لرفع كلفة الحرب على روسيا.
حراك
وتتزامن هذه التطورات مع حراك أوروبي مكثف لتعويض التراجع التدريجي في الانخراط الأمريكي في أوكرانيا، ما يضع القارة الأوروبية أمام واقع تصادمي جديد مع موسكو.
لا توجد حرب مباشرة بين الناتو وروسيا، لكن التوتر مرتفع بسبب الحرب في أوكرانيا، وزيادة الإنفاق العسكري، والحوادث العسكرية قرب حدود دول الحلف. خبراء ومراكز أبحاث غربية يعتبرون أن خطر وقوع احتكاك أو مواجهة محدودة ما زال قائماً، خصوصاً إذا وقع حادث عسكري أو هجوم على أراضي دولة عضو في «الناتو».
سيناريوهات
وإذا اندلعت مواجهة مباشرة، فقد تبدأ بأحد السيناريوهات التالية: سقوط صواريخ أو مسيّرات على أراضي الحلف بشكل يؤدي إلى قتلى. أو تصعيد مرتبط بالحرب في أوكرانيا. أو هجمات إلكترونية أو عمليات تخريب تُعد هجوماً يستوجب الرد الجماعي.
مع ذلك لا توجد أي مؤشرات واضحة إلى استعداد روسيا لمواجهة مباشرة مع الدول المجاورة المنضوية في «الناتو»، مثل تحركات القوات، لا سيّما في ظل نفي القيادة الروسية مراراً وتكراراً عزمها إشعال نار الحرب مع الحلف، فيما تعتمد أساليب «الحرب الهجينة»، من اختراقات جوية وهجمات سيبرانية، بهدف إرباك الغرب واستنزافهم دون الوصول إلى مواجهة مباشرة.
التقديرات الغربية تشير إلى أن روسيا ما زالت تركز معظم قدراتها العسكرية على الحرب في أوكرانيا، ما يجعل مواجهة شاملة مع «الناتو» أمراً بالغ الكلفة والخطورة.
