لا تكتفي موسكو باعتبار أوروبا و«الناتو» التهديد الرئيسي لها، بل لدول «معاهدة الأمن الجماعي» الحلف السياسي العسكري، الذي تأسس في الـ7 من أكتوبر 2002، ويضم روسيا الاتحادية، وبيلاروس، وكازاخستان، وطاجيكستان وقرغيزستان، وأرمينيا، وهذه كلها كانت ضمن الاتحاد السوفييتي السابق.
سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي سيرغي شويغو، خلال اجتماع في موسكو أمس، للجنة هيئات مجالس الأمن للدول الأعضاء في المنظمة، أورد أرمينيا كونها مثالاً، قائلاً: «من المؤسف أن أرمينيا تبحث عن الحماية من المصدر المباشر للتهديد، لكن هذا خيارها ومسؤوليتها».
واتهم الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف أرمينيا بمحاولة السير على خطى أوكرانيا. وانتقد بشدة رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، معتبراً أنها اتخذت مساراً للقطيعة مع روسيا، ومشيراً إلى أن «الشريك الاستراتيجي لروسيا هو شعب أرمينيا، وليس أي زعيم أرميني».
الجفاء بين موسكو ويريفان لم يبدأ هذه الأيام، إنما يعود إلى الحرب المتجددة بين أرمينيا وأذربيجان سنة 2022، واعتبرت الحكومة الأرمينية أن ثمة تقاعساً من جانب روسيا وقوات حفظ السلام التابعة لها، بالإضافة إلى منظمة معاهدة الأمن الجماعي، عن التدخل لحماية مصالح أرمينيا والدفاع عن إقليم ناغورنو كاراباخ قبل سقوطه بالكامل في يد أذربيجان.
بعد تلك الحرب وجدت أرمينيا نفسها في واحدة من أعقد المراحل التاريخية والسياسية، وفي خضم عملية إعادة تموضع جيوسياسي شاملة تضعها في منطقة حرجة بين روسيا وأوروبا.
وقد دفع هذا التحوّل الكبير رئيس الوزراء نيكول باشينيان إلى تجميد مشاركة بلاده في المظلة الأمنية الروسية، والبدء في رحلة البحث عن بدائل أمنية واقتصادية وسياسية جديدة، وبخاصة في أوروبا.
ولم يعد الأمر مقتصراً على مجرد تطلعات دبلوماسية، بل تُرجم إلى خطوات عملية، من بينها إقرار قوانين برلمانية لبدء مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتوسيع الشراكات العسكرية مع دول مثل فرنسا.
هذا الانعطاف الجيوسياسي الحاد نحو الغرب والتخلي عن إقليم ناغورنو كاراباخ تسببا في انقسام داخلي حاد بين معسكرين، أولهما معسكر السلطة وحزب العقد المدني الحاكم، الذي يتبنى رؤية تتبنى التركيز على حماية الحدود المعترف بها دولياً للجمهورية، والابتعاد عن الشعارات القومية القديمة.
ويدعم هذا التوجه قطاع من الشارع يخشى اندلاع حرب جديدة مع أذربيجان، ويرى أن التوجه نحو الغرب وإقرار مسار العضوية في الاتحاد الأوروبي، فرصة لتحديث الاقتصاد وتأمين غطاء سياسي ودبلوماسي دولي يمنع أذربيجان من شن هجوم جديد على الأراضي الأرمينية.
ويرى رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان وفريقه السياسي في حزب «العقد المدني» الحاكم أن التموضع القديم لأرمينيا كان مبنياً على «وهم أمني»، وإذ يحرص على عدم القطيعة مع روسيا فإنه يعتبر الاعتماد الحصري عليها كان «خطأً»، وأن «منظمة معاهدة الأمن الجماعي» فشلت في حماية أرمينيا، وأن وجودها بات يشكل «تهديداً» لسيادة البلاد.
أما المعسكر الثاني فهو جبهة معارضة تضم القوى القومية وآلاف النازحين من ناغورنو كاراباخ، والتيارات السياسية التقليدية الموالية لروسيا، وينضم إليها فاعل تاريخي واجتماعي قوي جداً، وهو الكنيسة الأرثوذكسية الأرمنية، التي تقود الحراكات الاحتجاجية في الشارع.
انتحار جيوسياسي
ويرى هذا المعسكر أن سياسات الحكومة تمثل «تنازلاً عن أراضٍ تاريخية وتفريطاً بالسيادة الوطنية» من دون الحصول على أية ضمانات أمنية حقيقية من الغرب، ويعتبر أن قطع العلاقات مع موسكو في ظل هذا المحيط الإقليمي المعادي هو انتحار جيوسياسي، كما تتهم المعارضة الحكومة بالتحول نحو الاستبداد والقمع وتلفيق التهم القضائية والسياسية ضد قادة الحراك الديني والسياسي لتكميم الأفواه وتمرير اتفاقيات السلام الصعبة مع الجانب الأذربيجاني.
ويرى هذا المعسكر أن الإدارة الحالية ارتكبت خطأً كارثياً بعزل أرمينيا عن حليفها التاريخي الوحيد (روسيا) قبل تأمين بديل حقيقي، وملموس في الغرب. ويصف قادته الوعود الأوروبية بأنها مجرد «سراب» لن يحمي البلاد في حال اندلاع مواجهة عسكرية جديدة، معتبرين أن التنازل عن الأراضي في كاراباخ وترسيم الحدود مع أذربيجان يمثل «استسلاماً» غير مشروط.
الانتقال نحو الغرب محفوف بالمخاطر، حيث تمتلك موسكو أدوات ضغط اقتصادية هائلة، تتمثل في سيطرتها الشبه كاملة على قطاعات الطاقة والغاز والسكك الحديدية داخل أرمينيا، فضلاً عن التحذيرات الروسية المستمرة من أن المضي قدماً في هذا المسار ستترتب عليه أثمان باهظة قد لا تقوى أرمينيا على تحملها.
ارتباط تاريخي
وبالنظر إلى الخلفية الجيوسياسية فإن ارتباط أرمينيا تاريخيّاً بعلاقات تحالف وثيقة مع روسيا ليس ترفاً أو اختياراً، بل ضرورة فرضتها وتفرضها وقائع التاريخ والجغرافيا، حيث شكلت روسيا الضامن الأمني التقليدي لأرمينيا منذ استقلالها عن الاتحاد السوفييتي، وارتبط البلدان بمعاهدة «منظمة معاهدة الأمن الجماعي»، وتكامل اقتصادي (الاتحاد الاقتصادي الأوراسي)، مع وجود قاعدة عسكرية روسية في الأراضي الأرمينية.
هذه الخلفية حاضرة في أذهان القادة الأرمينيين الذين يؤكدون مراراً أن بلادهم لم تقم بأي شيء يضر بمصالح روسيا، وأنها ستستمر في الالتزام بذلك في المستقبل، مع ضرورة تذكر أن العلاقات بين البلدين مستمرة، واللقاءات بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والأرميني نيكول باشينيان تنعقد بين الحين والآخر.
ويبقى السؤال كامناً في ذمة المستقبل إن كانت أرمينيا قادرة على مغادرة الفضاء الحيوي والتاريخي والتحليق في فضاء مستجد وبعيد.
