في شرق أوكرانيا، حيث تمتد خطوط القتال عبر دونيتسك حتى مشارف سلوفيانسك وكراماتورسك، لم تعد الحرب تشبه صورتها التقليدية، السماء مزدحمة بالطائرات المسيّرة، والطرقات مغطاة بشباك صيد معلّقة على أعمدة خشبية لاصطياد الدرونات الانتحارية قبل أن تصيب أهدافها، هذه التفاصيل الصغيرة تختصر سرّ الصمود الأوكراني: التكيّف السريع، والابتكار تحت النار، وإرادة سياسية وشعبية ترى في المعركة قضية وجود.
منذ الحرب الروسية عام 2022، تحوّلت الحرب إلى سباق تقني مفتوح، تتصدره الطائرات المسيّرة من نوع "FPV" تُعدّ الأحرف الثلاثة الأكثر رعباً في ساحة المعركة، تمثل هذه الطائرات المسيّرة سلاحاً بالغ الفتك، يستخدمه كل من الجيشين الأوكراني والروسي، وتُزوَّد بكاميرات تنقل بثاً حياً إلى مراكز قيادة قد تبعد 30 أو 40 كيلومتراً عن خط المواجهة ومخبأة في أقبية مبانٍ مدمرة أو داخل منازل ريفية عادية.
في الداخل، تصطف شاشات عديدة تعرض صوراً مباشرة وبيانات قادمة من الطائرات المسيّرة، تخضع لتحليل برمجيات عسكرية متقدمة، تلتقط الكاميرات تحركات جنود بين الأنقاض، فيما يتولى المشغّلون توجيه القوات على الأرض عبر أجهزة اتصال لاسلكية وسماعات رأس ونداءات تعريفية دقيقة.
في بدايات استخدامها، كانت هذه الطائرات تُدار عبر إشارات راديوية، لكن خبرة الطرفين في مجال الحرب الإلكترونية جعلت التشويش عليها أمراً شائعاً وسريعاً، أما اليوم، فيجري التحكم بمعظمها عبر كابلات ألياف ضوئية فائقة الرقة، وتكفي بكرة بطول 25 كيلومتراً، تنقل البيانات والفيديو، لتوضع داخل حاوية صغيرة مدمجة في هيكل الطائرة المسيّرة، لا يتجاوز حجمها حجم زجاجة كبيرة من المبيّض.
على الأرض، تبدو مدن مثل سلوفيانسك وكراماتورسك حصوناً متقدمة، تحيط بها خنادق وأسنان تنين خرسانية، فيما يعيش من تبقى من السكان تحت تهديد دائم، آلاف المدنيين نزحوا غرباً، لكن كثيرين يرفضون مغادرة أرضهم، رجال دين ومتطوعون يواصلون توزيع الخبز والمساعدات قرب خطوط النار، في مؤشر على شبكة تضامن مجتمعي تُبقي الحياة قائمة وسط الدمار.
سياسياً، يرفض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي التخلي عن أراضٍ استولت عليها روسيا، رغم ضغوط دولية للتوصل إلى وقف إطلاق نار، وتطالب موسكو بتنازلات إقليمية واسعة تشمل أجزاء من دونيتسك وزابوروجيا وخيرسون، وهي شروط ترى كييف أنها تمهد لهجوم روسي جديد بعد إعادة تنظيم القوات.
عسكرياً، تعاني أوكرانيا من تحديات حادة، أبرزها نقص الأفراد واستنزاف طويل الأمد. عمليات التجنيد الإجباري تواجه تردداً مجتمعياً، فيما تشير التقديرات الرسمية إلى عشرات الآلاف من القتلى والمفقودين. ومع ذلك، لا تظهر مؤشرات انهيار. المدن الكبرى، وعلى رأسها كييف، ما زالت تعمل رغم الهجمات المتكررة على البنية التحتية للطاقة، كما أعادت أوكرانيا تنشيط مجمعها الصناعي العسكري، مركّزة على تطوير قدرات بعيدة المدى لضرب العمق الروسي.
الدعم الغربي، خصوصاً الاستخباراتي والتقني، يظل عاملاً حاسماً، حتى مع تذبذب المساعدات العسكرية. أوروبا تموّل وتسهم في تزويد كييف بالذخائر وأنظمة الدفاع الجوي، بينما تبقى الولايات المتحدة مصدراً رئيسياً للمعلومات الاستراتيجية.
إذن، لماذا لا تزال أوكرانيا صامدة؟ لأن الحرب بالنسبة لها ليست صراع نفوذ فحسب، بل معركة هوية وبقاء. مزيج من الابتكار العسكري، والتماسك المجتمعي، والقيادة السياسية الرافضة للتنازل، والدعم الدولي—رغم محدوديته—أنتج معادلة تمنع الانهيار. في شرق البلاد، حيث تتدلى شباك الصيد فوق الطرقات لاصطياد الموت القادم من السماء، يبدو الصمود خياراً يومياً لا شعاراً سياسياً.
