هل يتسبب ترامب بفتح أبواب موسكو لأوروبا؟

يرى لاري جونسون، المحلل السابق لدى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، أن الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو بدأت في دراسة خيار الحوار مع روسيا، بسبب توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه جزيرة غرينلاند.

جونسون قال عبر قناته على موقع «يوتيوب»: «إذا استمر ترامب في مواجهته مع الدنمارك بشأن غرينلاند، فسيسرّع ذلك من تراجع حلف الناتو ويزيد من إضعافه. في الواقع، تقول رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيو ميلوني بالفعل: «ربما علينا أن نبدأ بالتحدث مع روسيا، إنهم (الروس) يفضلون إقامة علاقات ودية مع الأوروبيين، فهم لا يكرهونهم. لكن اليوم، لم تعد العلاقات مع الأوروبيين أمراً لا غنى عنه بالنسبة لروسيا».

المحلل الأمريكي أضاف: «علاوة على ذلك، يبدو لي أن الوضع العسكري على الأرض في أوكرانيا سيتدهور بسرعة بالنسبة للقوات المسلحة الأوكرانية مقارنة بما نشهده الآن، سيتسارع هذا التدهور، وسيكمل الروس عملية السيطرة على دونباس. سيحرزون تقدماً ملحوظاً. وقد تواجه أوكرانيا خطر فقدان ثلاث مدن رئيسية».

تتزايد داخل الأوساط السياسية والأمنية الغربية قراءات ترى أن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تعد تشكل مجرد ضغط تكتيكي على حلف الناتو، بل باتت مصدر قلق يمس جوهر تماسك الحلف ودوره الذي أنشئ من أجله. التصريحات المتكررة لترامب، سواء المتعلقة بعبء الدفاع الأوروبي، أو بملف غرينلاند، أو بمقاربته للحرب في أوكرانيا، أطلقت موجة تساؤلات جدية داخل العواصم الأوروبية حول مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، وحدود الاعتماد على المظلة الأمريكية.

وبرزت تصريحات محللين أمريكيين سابقين، من بينهم ضباط استخبارات، اعتبروا أن سلوك ترامب يدفع بعض دول الناتو، بصورة غير مباشرة، إلى إعادة التفكير في خيار الحوار مع موسكو، ليس بدافع التقارب السياسي بقدر ما هو تعبير عن قلق متنامٍ من هشاشة الالتزام الأمريكي. هذه القراءة لا تنطلق من افتراض تحوّل أوروبي جذري نحو روسيا، بل من إدراك أوروبي بأن الضامن التقليدي لأمن القارة بات أقل قابلية للتنبؤ.

حسابات مالية

وتشير تحليلات صادرة عن مراكز أبحاث غربية وصحف كبرى إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في لهجة ترامب، بل في المنطق الذي يحكمها تحويل التحالفات إلى صفقات، وربط الالتزامات الأمنية بالحسابات المالية المباشرة. هذا التحول تقرأه أوروبا على أنه تقويض لمبدأ الأمن الجماعي الذي قام عليه الحلف منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وفتح لدوامة الشكوك داخل الحلف، لا سيما في ظل حرب أوكرانيا.

ويرى محللون غربيون أن موسكو تتابع هذه التصدعات باهتمام بالغ، مستفيدة من التباينات داخل المعسكر الغربي، إذ إنها، وفق هذه القراءات، لا تراهن بالضرورة على تفكك الحلف، لكنها تستثمر في إضعاف وحدة قراره، وفي إظهار نفسها طرفاً مستعداً للحوار مع الأوروبيين، في وقت تبدو واشنطن أقل انضباطاً في خطابها تجاه حلفائها.

أما ميدانياً، فتربط تحليلات عسكرية بين هذا المناخ السياسي الذي يخيم على الحلف، وبين تطورات الحرب في أوكرانيا، حيث يُنظر إلى أي تراجع أو ارتباك غربي على أنه عامل إضافي يعزز موقع موسكو التفاوضي. ويذهب بعض الخبراء إلى أن التقدم الروسي على الأرض لا يُقرأ بمعزل عن السياق السياسي الدولي، ولا عن إشارات الانقسام الصادرة من داخل «الناتو» نفسه.

ويلتقي تقييم عدد متزايد من المحللين في مساحة واحدة لافتتها أن سياسات ترامب لا تضغط على أوروبا فحسب، بل تعيد فتح الأسئلة الكبرى حول مستقبل «الناتو»، وطبيعة العلاقة مع روسيا، وحدود الدور الأمريكي في النظام الغربي، في لحظة دولية شديدة الحساسية، حيث لم تعد الخطوط الفاصلة بين القوة والحوار واضحة كما كانت في السابق.