"هندسة المليار صوت.. كيف تعيد الهند رسم خارطة السلطة لانتخابات 2029؟"

المليار صوت هم الوقود البشري لأضخم عملية "هندسة ديمقراطية" تشهدها الهند اليوم؛ حيث تسارع الدولة لتحديث قوائم الناخبين في مهمة تتجاوز الإحصاء الإداري لتصبح إعادة رسم شاملة لخارطة القوة قبل انتخابات 2029.

تجري الآن مهمة جسيمة لتحديث أطول قائمة ناخبين في العالم في الهند؛ حيث يحتاج ما يقرب من مليار شخص إلى التحقق من بياناتهم قبل السماح لهم بالمشاركة في أكبر ممارسة ديمقراطية على كوكب الأرض.

​​ وتتركز هذه المواجهة السياسية في ولاية "أوتار براديش" الحاسمة، صانعة الملوك في السياسة الهندية، حيث يصارع عشرات الآلاف من الموظفين المدنيين الموعد النهائي ليلة رأس السنة لإدخال تفاصيل الناخبين يدوياً في قاعدة بيانات وطنية، في محاولة لسد فجوة إدارية بدأت منذ عام 2003، وهو ما يحول الجهاز البيروقراطي إلى أداة سياسية حاسمة في تحديد من يحق له التصويت.

وتتجلى ضخامة هذا التحدي في استنفار الحكومة لنحو 500,000 موظف مدني، معظمهم من المعلمين لملاحقة تفاصيل المئات من الناخبين،بالعمل في نوبات تمتد من الفجر حتى منتصف الليل مقابل مكافأة زهيدة تبلغ حوالي 11 دولاراً شهرياً.

وهو ضغط هائل وثقت بسببه الجمعية من أجل الإصلاحات الديمقراطية (ADR) وقوع أكثر من 12 حالة انتحار بين عمال الانتخابات نتيجة التوتر المفرط والملاحقات القانونية بتهمة "الإهمال الرسمي."

خلف هذه الأرقام المليارية، يبرز صراع "الوثائق الـــ 12 " المقبولة حكومياً للتحقق، مما يضع ملايين النساء والعمال المهاجرين والفقراء في مأزق قانوني نتيجة فقدان الأوراق الثبوتية أو تعقيدات تغيير الأسماء.

وهنا تكمن الخطورة السياسية التي يحللها سانجاي كومار، مدير برنامج "لوكنتي" في المركز الهندي لدراسات المجتمعات النامية (CSDS)، مؤكداً أن أي هامش خطأ في القوائم بنسبة ضئيلة كفيل بقلب موازين السلطة في الدوائر الحرجة، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات ميناكشي جانجولي، نائب مدير قسم آسيا في منظمة "هيومن رايتس ووتش ، حول خطر "انعدام الجنسية السياسية" لملايين الناخبين من الأقليات.

وتضيف الباحثة تارا كريشناسوامي، مؤسسة منظمة "شاكتي" لتمكين المرأة، أن سقوط أسماء النساء من القوائم نتيجة تغيير الألقاب بعد الزواج يهدد العدالة الجندرية في البرلمان القادم، مما يجعل الديمقراطية عرضة للاختلال في تمثيل نصف المجتمع.

وفي محاولة لتجاوز الهفوات البشرية، أدخلت مفوضية الانتخابات تقنيات التعرف على الوجه والذكاء الاصطناعي، إلا أن الخبير التقني برابير بوركاياستا من منصة "نيوز كليك" يحذر من أن الاعتماد المفرط على "الخوارزميات" قد يؤدي إلى شطب آلي لآلاف الناخبين بسبب أخطاء المسح الضوئي أو التنميط الرقمي.

ومن منظور قانوني، يرى المحامي والخبير التقني باوان دوغال أن ربط بطاقة الناخب بنظام الهوية البيومترية "آدهار" يفتح الباب أمام اختراقات سيبرانية تهدد سيادة البيانات وتجعل "قائمة المليار" هدفاً للتلاعب الخارجي.

بينما تبرز معضلة دستورية تتعلق بربط حق التصويت الأساسي بوسائل تقنية قد لا تتوفر للجميع، خاصة في المناطق الوعرة التي يضطر فيها الموظفون لقطع كيلومترات سيراً على الأقدام في ظل غياب الإنترنت، مما يجعل الجغرافيا عائقاً أمام العدالة الانتخابية.

وعلى الجبهة السياسية، يتصاعد الجدل بعد حذف 5.8 مليون اسم في البنغال الغربية، مما دفع معهد "في-ديم" السويدي لتصنيف الهند كـ "أوتوقراطية انتخابية".

وبينما يتهم زعيم المعارضة راهول غاندي الحكومة بتوظيف المتاهة الإدارية لإقصاء الخصوم، يدافع وزير الداخلية أميت شاه عبر قناة "سانساد" عن العملية كضرورة وطنية لتطهير القوائم ومنع الهدر المالي الذي بلغ 14.4 مليار دولار وفقاً لتقارير "إيكونوميك تايمز" .

وجيوسياسياً، يؤكد محللو مجلس العلاقات الخارجية (CFR) في واشنطن أن نزاهة هذه القوائم تمثل "بطاقة ثقة" للهند في تحالف "كواد" الدولي.

ومع اقتراب 2029، يظل الرهان قائماً بين خلق نظام رقمي فائق النزاهة أو تحول القائمة إلى أداة إقصاء منهجي؛ فالحقيقة الثابتة هي أن من يمتلك السيطرة على "قائمة المليار" يمتلك عملياً مفاتيح حكم الهند، مما يجعل المعركة الإدارية الحالية هي الصراع الحقيقي الذي يسبق صناديق الاقتراع بمسافات ويحدد ملامح الديمقراطية في العصر الرقمي.