بإثارته «أزمة غرينلاند»، قد تنذر تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإحداث شرخ دبلوماسي لم تعرف أوروبا مثيلاً له منذ الحرب الباردة. المسار الذي بدأه ترامب حول الجزيرة من مجرد إقليم ثلجي بعيد في القطب الشمالي، إلى نقطة اختبار لعلاقة أوروبا مع أمريكا وقدرة حلف الناتو على الصمود أمام سياسات ترامب المعلنة والمتحدية، وفي ظل توجهاته غير المبطنة التي ترى في الحلف عبئاً، لا أداة في الصراع الدولي.
هذه الأزمة أعادت ملف غرينلاند إلى صدارة الاهتمام الاستراتيجي الأوروبي، خصوصاً بعد أن بدا أن تصريحات ترامب لم تعد مجرد تصريحات إعلامية شعبوية واستعراضية، بقدر ما تحمل دلالات تنفيذية محتملة قد تؤثر في الاستقرار في القطب الشمالي وتزعزع الثقة داخل «الناتو».
وكلما تحدث ترامب عن هدفه بالسيطرة على غرينلاند، تحرك الأوروبيون سريعاً، مؤكدين أن سيادة الدنمارك وغرينلاند غير قابلة للمساس، ربما ليس دفاعاً عن الجزيرة بقدر ما هو حماية للذات من سابقة قد تنسحب على غيرها، حيث يلاحظ الجميع أن ترامب تحدث عن مناطق أخرى.
الرئيس الأمريكي يرى في غرينلاند نقطة مركزية للسيطرة على النفوذ الاستراتيجي في المنطقة، ومنع توسع النفوذ الروسي والصيني، مع تلميحات ضمنية إلى خيارات يمكن أن تعتمدها الولايات المتحدة إذا لم يُحقق التفاوض النتائج المرجوة. ومع ذلك، تواجه الإدارة الأمريكية انقسامات داخلية، إذ يرى عدد من الجمهوريين أن التعامل الأحادي مع غرينلاند قد يضر بمصالح الولايات المتحدة على المدى الطويل، ويقوّض ثقة الحلفاء الأوروبيين.
تحديات استراتيجية
لذلك يرى محللون أن مساعي ترامب لتوسيع النفوذ الأمريكي حتى على حساب الحلفاء التقليديين، يفتح الباب لتحديات استراتيجية وجيوسياسية لمستقبل التحالف الغربي. فالاتحاد الأوروبي، بقيادة كوبنهاغن وبرلين وباريس، عبّر عن «قلق بالغ» من تكرار تصريحات ترامب، وبدت لغة المسؤولين الأوروبيين حادةً وغير مسبوقة، إذ أشار دبلوماسي لموقع «بوليتيكو» إلى أن الاتحاد الأوروبي يدرس مواجهة مباشرة إذا استمرت واشنطن في سياستها الأحادية.
غرينلاند منحت حكماً ذاتياً واسعاً عام 2009 ضمن المملكة الدنماركية، ما أعطاها صلاحية إدارة شؤونها الداخلية. هذا الإطار القانوني، يُستخدم اليوم من قبل كوبنهاغن وباريس وبرلين حجة قوية ضد أي مسعى أمريكي، في حين ترى واشنطن أن السيطرة الاستراتيجية على الجزيرة تتجاوز اعتبارها مجرد شأن داخلي دنماركي.
الأزمة الحالية تعكس تحوّلاً جوهرياً في طبيعة العلاقات الأوروبية - الأمريكية، إذ أصبحت أوروبا تدرك أكثر أن الاعتماد الكامل على واشنطن لم يعد يضمن مصالحها، وأن عليها تطوير أدوات دفاعية وسياسية مستقلة دون التخلي عن التعاون داخل «الناتو». وفي الوقت نفسه، يبرز السؤال حول مستقبل التضامن داخل الحلف، أو ربما بقاء الحلف نفسه، خصوصاً إذا تكررت مثل هذه المواقف الأمريكية في ملفات استراتيجية أخرى.
الآفاق المستقبلية تبدو معقدة ومتشعبة الاتجاهات؛ فقد تدفع الأزمة الأوروبية الأمريكية إلى إعادة صياغة أولويات التحالف، وبناء قدرة دفاعية أوروبية تتمتع بالاستقلالية، أو قد تؤدي إلى مواجهة دبلوماسية متدحرجة مع الحفاظ على الحلف في ظل التحدي الروسي الصيني، أو قد تتطور الأزمة إلى اضطراب استراتيجي يهدد الثقة بين الحلفاء التقليديين.