التقارب الأمريكي الروسي يضع أوروبا في مهب الريح

يعكس التقارب الأمريكي- الروسي أخيراً نُذر تحول عميق في المشهد الجيوسياسي العالمي، في وقت تتداخل فيه المصالح الاستراتيجية مع البراغماتية السياسية، بما يعيد ترتيب العلاقات الدولية وموازين القوى.

التحركات الأخيرة للإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تحت مظلة «أمريكا أولاً»، تعكس رغبة في إنهاء الحرب الأوكرانية، كما ترسم مشهداً جديداً للعلاقات عبر الأطلسي، ضمن خطوات أخرى مرتبطة بالسياسات الحمائية الأمريكية وسلاح الرسوم الجمركية المتبادلة العالمية الذي يثير مخاوف أوروبا، علاوة على ضغوط ترامب على الناتو لزيادة الإنفاق الدفاعي، وبما يعيد ترتيب الأولويات الأمنية والاقتصادية على المسرح الدولي.

هذا الانفتاح السياسي الأمريكي على روسيا، والذي تجسد في اللقاءات التي جمعت مسؤولين من البلدين والقمة المنتظرة بين ترامب والرئيس فلاديمير بوتين، يضع أوروبا أمام معادلة معقدة، بين التمسك بالتحالفات التقليدية، ومواجهة تبعات تفاهمات قد تتم على حسابها، وبما يضعها أمام تحوّلات مفصلية.

نظرة متشائمة

النظرة في أوروبا تبدو متشائمة إلى حدٍ كبير، ولا سيما أن خطط الرئيس ترامب بخصوص السلام في أوكرانيا قد تصب في النهاية في صالح الروس، وفق المقاربات المطروحة حالياً، وبما يفاقم التحديات التي تواجهها دول القارة العجوز، ويضيف لتأزيم العلاقات مع واشنطن، رغم المصالح الاستراتيجية الأوسع نطاقاً بالنسبة للعلاقات عبر الأطلسي.

طبقاً لأستاذ العلاقات الدولية بجامعة بوسطن، إيغور لوكيس، فإن «الحرب الحالية في أوكرانيا تمثل صراعاً بين روسيا والغرب، وروسيا نظرياً هي الطرف الأضعف بكثير، لكن السبب الوحيد وراء استمرارها لمدة ثلاث سنوات هو أن واشنطن وألمانيا وغيرهما ليس لديها الشجاعة للفوز.. لقد قدمت الدعم الكافي لأوكرانيا حتى لا تخسر، ولكن لم تقدم ما يكفي أبداً لهزيمة موسكو».

ويشير لدى حديثه مع «البيان» إلى أن الخطوات التي يقطعها الرئيس ترامب في سياق العلاقة مع روسيا والتوصل لاتفاق سلام على حساب أوكرانيا وأوروبا، تهدد بشكل واضح التحالف عبر الأطلسي والولايات المتحدة نفسها (..) ولا سيما أن «روسيا من الصعب أن تتخلى عن مستعمراتها السابقة.. والحرب في أوكرانيا هي محاولة من جانب موسكو للاحتفاظ بإمبراطوريتها».

وفي خطٍ متوازٍ مع ذلك، فإن مؤشرات السيولة السياسية في العلاقات الأمريكية-الروسية تثير قلق العواصم الأوروبية، وخاصة أن أي اتفاق محتمل بين الجانبين قد يفرض واقعاً جديداً يعيد توزيع النفوذ الإقليمي، بما في ذلك ملفات الأمن الأوروبي والطاقة، والتوازنات الاقتصادية.

يضع هذا المشهد الاتحاد الأوروبي أمام اختبار صعب، في ظل تصاعد الهواجس من أن يتحول التقارب بين واشنطن وموسكو إلى صفقة كبرى، تُدفع فواتيرها من الاستقرار الأوروبي، ما يعمّق الهوة بين ضفتي الأطلسي ويثير أسئلة جادة حول مستقبل التحالف الغربي.

أوروبا الخاسر الأكبر

من موسكو، يقول مدير مركز خبراء رياليست، الدكتور عمرو الديب لـ«البيان» إن التقارب الأمريكي- الروسي أساسه رغبة ترامب في إنهاء الأزمة الأوكرانية بشكل أو بآخر، فقد كان من أهم وعوده الانتخابية إنهاء الحرب، ولذلك فإن مساعي الرئيس الأمريكي الحقيقية في هذا الاتجاه أدت إلى نوع من التقارب وفتحت الباب أمام المفاوضات المرتبطة بهذا الملف وملفات أخرى.

هذا التقارب يشكل بلا شك مصدر قلق للجانب الأوروبي؛ فأوروبا، في حال توصلت الولايات المتحدة والاتحاد الروسي إلى اتفاق، ستكون الخاسر الأكبر بشكل أو بآخر، سواء من حيث الترتيبات الأمنية أو الاقتصادية التي قد تنتج عن هذه الاتفاقات، وفق الأستاذ في معهد العلاقات الدولية والتاريخ العالمي بجامعة لوباتشيفسكي الحكومية الروسية.

يضيف الديب: «يبدو أن هناك تلاقياً أمريكياً روسياً ضمن هذا الإطار، مع ورود أنباء عن اتفاقات عدة تم التوصل إليها خلال المفاوضات.. ومن المهم الإشارة إلى أن روسيا، بدورها، لن تحصل على ما تريده من ترامب دون تقديم تنازلات، إذ تقدم بعض الحوافز للجانب الأمريكي، في مقابل ما قد تقدمه الولايات المتحدة من ضغوط على أوكرانيا وأوروبا بشكل عام».

وبهذا الشكل، يظهر أن التقارب الأمريكي-الروسي في عهد ترامب يحمل أبعاداً اقتصادية واضحة، ويعكس استراتيجية قائمة على المصالح التجارية، ما قد يعيد تشكيل موازين القوى في الساحة الدولية.

«أمريكا أولاً»

ينطلق ترامب من شعار «أمريكا أولاً» ليُعيد ترتيب أولويات السياسة الخارجية الأمريكية على نهجٍ قائم على البرغماتية السياسية والاقتصادية التي تغلف تعاطيه مع الملفات المختلفة برؤية «رجل الأعمال» و«صانع الصفقات».. هذه الأجندة التي يصفها أستاذ العلاقات الدولية في كلية هاميلتون، آلان كفروني، لدى حديثه مع «البيان» بأنها تمثل تحولاً عميقاً ليس فقط في النظام العالمي، بل وأيضاً في السياسة الأمريكية الخارجية، الأمر الذي يتطلب من ترامب الحد بشكل كبير من نفوذ مؤسسة السياسة الخارجية المحافظة الجديدة التي قيدت أفعاله وسياساته خلال ولايته الأولى.