سويسرا بين شلل "الحياد" والتقارب مع "الناتو"

في ظل وضع جيوسياسي يتسم بتصاعد الصراع المباشر وغير المباشر بين أوروبا وروسيا، يواجه الموقف المعتاد لسويسرا القائم على "الحياد التاريخي" اختباراً عاتياً قد يجعل الاستمرار فيه بشكله التقليدي أمراً شبه مستحيل.

شكل الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا أخطر تدهور في البيئة الأمنية الأوروبية منذ نهاية الحرب الباردة. ولعقود طويلة، استندت السياسة الأمنية السويسرية إلى ثلاث فرضيات هادئة خلاصتها؛ أن نشوب حرب كبرى بين الدول في أوروبا أمر غير محتمل، وأن أي تهديد سيصل بعد فترات إنذار طويلة، وأن الدفاع الإقليمي ضد الغزو العسكري هو الممارسة العسكرية المحورية للبلاد بحسب تقرير في "ناشيونال إنترست".

يرى التقرير أن مشروع "استراتيجية السياسة الأمنية 2026" الصادر عن المجلس الفيدرالي السويسري في ديسمبر 2025 للاستشارة، يطوي صفحة هذه الفرضيات الثلاث دفعة واحدة. إذ يصف التقرير بيئة أمنية جديدة تتراوح فيها السيناريوهات المتوقعة بين الهجمات الهجينة، وتبادل الصواريخ بين حلف شمال الأطلسي (الناتو) وروسيا، والهجمات المباشرة بأسلحة دقيقة بعيدة المدى، وصولاً إلى تهديدات تطال سلامة أراضيها. وفي حين أن التهديدين الأخيرين أقل احتمالية، إلا أنه لا يمكن استبعادهما، بينما يُعد التهديدان الأولان أكثر ترجيحاً.

وتتمثل الإشكالية الرئيسية في أن حماية سويسرا من تداعيات صراع ليست طرفاً فيه، قد تتطلب بالضرورة تعاوناً عسكرياً مع أحد أطرافه، وتحديداً جيرانها من دول "الناتو". وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن لسويسرا تحقيق أمنها مع الحفاظ على حيادها؟ إن محاولة الإجابة عن هذا السؤال ستكون المحرك الأساسي للنقاشات الأمنية السويسرية لعقود قادمة.

تشخيص جديد 

قدمت الاستراتيجية تشخيصاً جوهرياً للواقع الجديد؛ حيث استبدلت فرضيات الحرب الباردة الثلاث بخاطة طريق واحدة " للأمن الشامل"، مجهزة بـ 45 إجراءً تتوزع بين المرونة والحماية والدفاع، مع تحديث المرجعيات القانونية لتحديد ما يُعد "هجوماً مسلحاً". إن تسمية التهديدات وتحديدها كان المَهمة الأسهل، وقد أتمتها وزارة الدفاع الفيدرالية السويسرية بنجاح.

لكن التحدي الأكبر يكمن في ترجمة هذا التشخيص إلى سياسات مستدامة، وهو ما يبرز ثلاث معضلات هيكلية ستشكل مستقبل أمن سويسرا وازدهارها خلال العقد المقبل:

المعضلة الأولى: صعوبة تحقيق التحسين والاندماج التقني الذي يتطلبه الدفاع الحديث مع الحفاظ على حرية المناورة السياسية.

المعضلة الثانية: عدم التوافق بين السرعة الفائقة للتهديدات الحديثة وبطء دورات الميزانيات والصناعة واللوجستيات.

المعضلة الثالثة: الضغط المتواصل الذي تفرضه الاستعدادات التخصصية المستمرة على نظام "الجيش الشعبي/الميليشيا" المبني أساساً على التعبئة المقطعية المؤقتة.

الحياد دفاعاً

تنبثق هذه التوترات من سؤال محوري: هل تستطيع سويسرا حماية أراضيها وبنيتها التحتية ومكانتها الاقتصادية في ظل ظروف تعترف الاستراتيجية ذاتها بإنها غير مسبوقة؟

وعلى عكس سيناريوهات الغزو إبان الحرب الباردة التي صُمم الحياد السويسري لإدارتها، فإن الانتهاكات الجوية في حال نشوب حرب موسعة بين روسيا والناتو لن تحترم الحدود السويسرية. فالحياد وحده لا يمكنه الردع أو حماية المجال الجوي؛ إذ يتطلب اكتشاف الصواريخ أو الطائرات المسيرة قبل دخولها الأجواء السويسرية الحصول على بيانات استشعارية ورادارية من خارج حدودها، وهو ما يستدعي بالضرورة التعاون مع دول الجوار الأعضاء في الناتو.

وعليه، قد تجد سويسرا نفسها بحاجة إلى تعاون عسكري وثيق مع أحد الأطراف لمجرد البقاء خارج الصراع. لم يعد "الحياد المعزول" على نمط الحرب الباردة خياراً ممكناً أو متاحاً، ولكن في المقابل، فإن الاندماج الكامل مع الناتو ليس خياراً مرغوباً فيه أيضاً. وما بين الخيارين يقبع خط دقيق من الموازنة المستمرة لم يجرؤ الشارع السويسري على مواجهته بعد بشجاعة، في ظل استمرار انشغاله بالسجالات القانونية حول التعاون مع الناتو وإعادة تصدير الأسلحة.

من الناحية الدستورية والإجرائية، تتولى وزارة الدفاع والأمانة العامة لسياسة الأمن (SEPOS) صياغة الاستراتيجية وتنسيقها وتطويرها، إلا أنها حتى بعد إقرارها، لا تلزم خيارات الميزانية الصادرة عن المجلس الفيدرالي (السلطة التنفيذية) ولا الجمعية الفيدرالية (البرلمان)، والتي تمتلك وحدها حق التشريع والإنفاق. وسيكون على كل إجراء من الإجراءات الـ 45 المذكورة أن يسلك مساره التشريعي والميزاني الخالص، بمواطنه ومعاركه الخاصة.

تهديدات أربعة

تقسم استراتيجية السياسة الأمنية 2026 البيئة الأمنية لسويسرا إلى أربع فئات من التهديدات:

العدوان العسكري المباشر: يظل غير محتمل على المدى القريب، لكن الاستراتيجية ترفض استبعاده، مشيرة إلى التحديث العسكري الروسي وإمكانية ظهور "نافذة هشاشة" لأوروبا اعتباراً من عام 2028، قبل أن يكتمل الردع الأوروبي.

الأسلحة بعيدة المدى: تشكل خطراً جديداً لم يكن موجوداً في أدبيات الحرب الباردة. لا يقتصر الخطر على استهداف سويسرا مباشرة؛ ففي حال نشوب حرب أوروبية واسعة، قد تعبر الصواريخ الجوالة والباليستية والمسيرات المجال الجوي السويسري أو تسقط فيه خطأً أو نتيجة اعتراضها. لذا تعطي الاستراتيجية أولوية قصوى للسيطرة على الأجواء عبر منظومات الفايتر (F-35) وباتريوت وأنظمة الدفاع الجوي الميدانية.

التهديدات الهجينة: وتشمل الهجمات السيبرانية، الجاسوسية، التخريب، التضليل، والضغوط الاقتصادية، والتي تقع في المساحة الرمادية للقانون الدولي مما يجعل التعرف على لحظة اختراق خطورتها أمراً معقداً.

الآثار الجانبية للصراع: تنبع من دور سويسرا كـ "عقدة مركزية في أوروبا" لشبكات الكهرباء، السكك الحديدية، الخدمات المالية، والبيانات. إذ قد تنجر البلاد للنزاع جراء انهيارات متسلسلة في البنية التحتية حتى دون استهداف مباشر.

تدرك وثيقة الاستراتيجية أن الديمقراطية المباشرة والنظام الفيدرالي في سويسرا يشكلان في حد ذاتهما ساحة قابلة للاستهداف والاستقطاب عبر حملات التضليل. وتواجه سويسرا ضغوطاً متزايدة للانحياز إلى أحد المعسكرين الجيوسياسيين. والجديد ليس التهديدات بحد ذاتها، بل تزامنهما ورفضها الانصياع للتصنيفات التقليدية التي تفصل بين السلم والحرب، أو بين الحياة المدنية والعسكرية. وكان مفهوم "الأمن الشامل" هو رد المجلس الفيدرالي لدمج التخطيط المدني والعسكري تحت سقف واحد.

المعضلة الأولى: الاندماج العسكري التقني مقابل الحياد السياسي

في حال حدوث مواجهة طويلة الأجل بين الناتو وروسيا، قد تجد سويسرا نفسها عرضة لحرب الصواريخ حتى لو لم تكن لدى روسيا نية لاستهدافها. إن حماية أجوائها تتطلب بيانات استخباراتية فورية لا يمكن الحصول عليها إلا عبر منظومات ذاتية فائقة التكلفة أو عبر تبادل البيانات مع دول الناتو.

هنا تبرز المعضلة الأولى: هل تستطيع سويسرا حماية أجوائها عبر اندماج تقني انتقائي مع الناتو مع الاحتفاظ بحريتها السياسية وبحيادها؟

إن الدفاع الجوي والصاروخي الحديث لم يعد عملاً وطنياً معزولاً، بل يتطلب مشاركة الصور الرادارية ونظم القيادة المتوافقة. وتلتزم الاستراتيجية بتبادل بيانات الموقف الجوي مع الناتو والاستعداد للدفاع "بالتعاون مع دول أخرى"، وهو ما يخلق توتراً صريحاً بين "الحياد المسلح" و"الدفاع الجماعي".

فالتعاون المخصص لحماية سويسرا قد يدفع موسكو إلى النظر إليها كطرف يساهم فعلياً في دفاع الناتو، مما يزيد من احتمالية استهدافها بشكل متعمد. ولا توجد قاعدة علمية لحسم هذه الخيارات سوى التقدير السياسي الدقيق، إذ إن تبعات النوايا السويسرية لا تخضع لتقييم برن بقدر ما تخضع لكيفية تقييم موسكو لها.

إدارة الانطباعات والرسائل المزدوجة

هناك مستويان من الخطر: الأول يتعلق بالعبور العرضي للصواريخ أو المسيرات، وهو خطر قائم بغض النظر عن رأي موسكو. أما الثاني، فهو احتمال تحول سويسرا إلى هدف مباشر، وهو يعتمد كلياً على كيفية تفسير موسكو للتعاون السويسري مع الناتو.

إن أدوات الحياد التقليدية هي الوحيدة القادرة على صنع الفارق لدى الخصم:

الإنفاذ الصارم والمحياد ضد أي انتهاك جوي من أي طرف كان.

رفض استخدام الأراضي أو الأجواء السويسرية لأغراض العبور أو الإمداد العسكري بما في ذلك لقوات الناتو.

المعاملة المتساوية للمتحاربين فيما يخص صادرات السلاح الخاصة.

الجاهزية للعب دور السلطة الحامية وتسهيل القنوات الإنسانية للطرفين.

لكن الموازنة بين مراضاة موسكو وطمأنة الجيران الغربيين مكلفة؛ حيث أدى رفض سويسرا للسماح بإعادة تصدير أسلحتها المبيعة لدول أوروبية نحو أوكرانيا إلى إقصاء الصناعات الدفاعية السويسرية من مناقصات ومشاريع التوريد الخاصة بدول الناتو، مما يضعف قدرتها التنافسية.

القانون المزدوج

يحظر القانون السويسري الانضمام إلى تحالفات تتضمن التزامات بالدفاع المشترك، ولا يسمح بالتعاون مع الآخرين إلا بعد تعرض البلاد لـ "هجوم مسلح". لكن الاستراتيجية تؤكد أن الدفاع المشترك "لا يمكن ارتجاله" ويجب الإعداد له "في الوقت المناسب"، ما يتطلب من سويسرا إرساء قواعد التعاون في أوقات السلم.

وتحاول السلطات السويسرية حل هذا التناقض بالتمييز بين "الاستعداد" و"الالتزام القانوني"؛ فالاستعداد والتدريبات المشتركة مع الناتو مسموح بها بشرط ألا تصل إلى حد توقيع اتفاقية دفاع متقابل. غير أن شريك الناتو لن يستثمر في تدريبات مشتركة إلا إذا كان يتوقع الاستفادة منها وقت الحرب الفعلية. وإذا ما شاركت سويسرا مستقبلاً في حماية أجواء الناتو خلال صراع مع روسيا، فسيكون من الصعب جداً اعتبارها طرفاً محايداً، وذلك دون أن تتمتع حتى بضمانات المادة الخامسة للدفاع الجماعي الخاص بالحلف.

تتضح هذه الضبابية في صفقات التسلح؛ فمنظومات مثل مقاتلات F-35 وصواريخ Patriot لا تعمل بكامل كفاءتها إلا ضمن شبكات مستخدمين متعددة الجنسيات تتبادل البيانات لحظياً، وبدون هذا الاندماج ستعزل سويسرا نفسها في منظومات مكلفة ومحدودة الفعالية.

يخلص التقرير إلى أن استراتيجية سويسرا تحاول وضع مؤشرات مرجعية لتعريف "الهجوم المسلح" (هجوم مفتوح شامل، هجوم وشيك، أو هجمات هجينة منسقة تسبب أضراراً جسيمة) لتحديد نقطة التحول من التعاون السلمي إلى التعاون الحربي الكامل. ومع ذلك، تبقى هذه المؤشرات مجرد استدلالات وليست خطوطاً حاسمة، ويبقى القرار النهائي قراراً سياسياً يتخذه المجلس الفيدرالي تحت ضغط زمني هائل وفي ظروف غامضة صُممت الحرب الهجينة خصيصاً لإيجادها.