قارّة تحت الشمس.. كيف تستفيد أوروبا من خبرة دول الخليج؟

البارجيل
البارجيل

في ظهيرة يوليو، تبدو ساحة المدينة الأوروبية القديمة مصمَّمة لكل شيء عدا الشمس. حجرٌ فاتح يعكس الوهج في وجوه المارّة، وميدانٌ مفتوح بلا شجرة واحدة، وشرفاتٌ زجاجية واسعة صُمِّمت لاصطياد ضوء الشتاء الشحيح. كل تفصيل هنا نتاج قرون من التفكير في البرد. واليوم تدفع القارّة ثمن هذا الميراث في موسمٍ انقلبت فيه المعادلة.

الأرقام تروي القصة بلا مبالغة؛ حيث سجّل غرب أوروبا في يونيو 2026 أشدّ أشهر يونيو حرارةً في تاريخه، بمتوسط 20.74 درجة مئوية، أي بزيادة 3.06 درجات عن معدّل الفترة المرجعية 1991–2020، متجاوزاً الرقم القياسي الذي سُجّل قبل عام واحد فقط، وفق خدمة كوبرنيكوس لتغيّر المناخ. وفي 8 يوليو بلغ مرصد فابرا في برشلونة 40.5 درجة، وهو من أقدم محطّات الرصد طويلة الأمد في العالم. ومع نهاية يوليو تتشكّل قبّة حرارية جديدة فوق شبه الجزيرة الأيبيرية وفرنسا، بتوقّعات تتجاوز الأربعين وقد تبلغ 45 درجة في بعض المناطق، مع ليالٍ تبقى فيها الصغرى في العشرينات المرتفعة، فتُلغى فترة التعافي الليلي التي يعتمد عليها الجسد البشري.

مفارقة

حين تتحوّل تلك الأرقام إلى أرواح، تصبح الصورة أثقل؛ إذ قدّرت دراسة نُشرت في "نيتشر ميديسن" فقدان أوروبا لأكثر من 62,700 شخص لأسباب مرتبطة بالحرارة في صيف 2024 وحده، وأكثر من 181 ألفاً في صيفَي 2022 و2023 و2024 مجتمعة. أما موجة يونيو الماضي فقُدّرت حصيلتها الأولية بأكثر من عشرين ألف وفاة على مستوى القارّة. وقد لخّصت منظمة الصحة العالمية المشكلة بجملة تصلح عنواناً لكل النقاش "بيوت أوروبا ومدارسها وأماكن عملها لم تُبنَ لمثل هذه الدرجات".

المفارقة التي نتوقف عندها اليوم، تكمن في أن أوروبا التي صدّرت إلى العالم معايير العمران الحديث وقوانين العمل ولوائح السلامة المهنية، تجد نفسها اليوم في موقع المتعلّم لدى مناطق تعايشت مع الحرارة القصوى قروناً وطوّرت لها منظومة إدارة يومية متكاملة، ومن أبرزها دول الخليج، التي تملك اليوم ما يشبه مختبراً مفتوحاً في هندسة الحياة تحت الشمس.

والمفتاح في فهم هذه الخبرة أن تتعامل الدول مع القضية بوصفها "مسألة إدارة تشغيلية يومية"، لا قضية مناخية تناقش في مؤتمرات مستقبل المناخ.. وهذه أربعة محاور تُلخّص هذا النهج.

القوانين

منذ اثنين وعشرين عاماً متتالياً، تُوقف الإمارات العمل تحت أشعة الشمس المباشرة وفي الأماكن المكشوفة يومياً بين الثانية عشرة والنصف والثالثة عصراً، من 15 يونيو إلى 15 سبتمبر. القرار ملزم بموجب القانون، والمخالفة تكلّف صاحب العمل غرامة كبيرة عن كل عامل، بسقف يصل إلى خمسين ألفاً.

المقارنة تفرض نفسها، ففي معظم دول الاتحاد الأوروبي، تُدار حماية العامل من الإجهاد الحراري عبر إرشادات مرنة وتقديرات لصاحب العمل، من دون عتبة زمنية موحّدة وملزمة على مستوى الدولة. الدرس الخليجي هنا بسيط وقابل للنقل فوراً.

عمارة الشمس

قبل الكهرباء بقرون، كانت المدن الخليجية تُبرَّد بتصميمها.. أزقّة ضيّقة متعرّجة تصنع ظلّاً متحرّكاً على مدار النهار وتُسرّع الهواء بين الجدران. أفنية داخلية تعمل مداخنَ حرارية تسحب الهواء الساخن إلى الأعلى. جدران سميكة من الحجر المرجاني والجصّ تختزن برودة الليل وتُطلقها نهاراً. وفتحاتٌ صغيرة عالية توجَّه بعيداً عن الوهج، وأبراج الهواء التي تلتقط أضعف النسمات وتدفعها إلى داخل البيوت.

ولعلّ أكثر ما يلفت الانتباه أن كثيراً من الحلول التي تُقدَّم اليوم بوصفها أحدث ما توصّلت إليه العمارة المستدامة ليست جديدة في جوهرها. فالمشربيات، والبراجيل، والأفنية الداخلية، والأزقة الضيقة، ليست مجرد عناصر تراثية تُستعاد بدافع الحنين، بل تقنيات مناخية طوّرتها مجتمعات الصحراء عبر قرون من التجربة.

واللافت في التجربة الخليجية المعاصرة أنها لم تكتفِ باستعادة مفاهيم العمارة التراثية كالبراجيل والأفنية، بل أعادت إنتاجها عبر الدمج بين التظليل السلبي القديم وأنظمة "الدارة الذكية للمباني" المدعومة بالذكاء الاصطناعي. هذه التقنيات تتنبأ بأحمال الحرارة قبل حدوثها، وتضبط التهوية والتظليل تلقائياً بحسب حركة الشمس. وهو المسار الأكثر ملاءمة لأوروبا اليوم؛ إذ يتيح للمباني التاريخية الحفاظ على وجهاتها التراثية من الخارج، مع تزويدها بـ "دماغ رقمي" من الداخل يقلل الاستهلاك الحراري إلى أدنى مستوياته دون الحاجة إلى تعديلات إنشائية قاسية.

وفي السنوات الأخيرة، بدأت هذه المبادئ تجد طريقها إلى مختبرات الهندسة وكليات العمارة في أوروبا وأمريكا، حيث يُعاد تفسيرها بلغة علمية معاصرة: تهوية طبيعية، وتظليل سلبي، وكتلة حرارية، وتقليل الحمل التبريدي.

أوروبا تحتاج هذا الاتجاه تحديداً، فمخزونها السكني صُمِّم لحبس الحرارة؛ من عزل يمنع تسرّب الحرارة إلى الخارج بقدر ما يمنع دخولها، إلى زجاج واسع، وأسطح داكنة، وميادين حجرية بلا شجر.

تعديل هذا الميراث ممكن، وكلفته أدنى بكثير من كلفة الأرواح.

التبريد العام

الابتكار الخليجي الأبرز في هذا الملف هو التبريد الحَضري؛ محطّات مركزية تنتج المياه المثلّجة وتضخّها عبر شبكات أنابيب معزولة إلى مئات المباني، بدل أن يشغّل كل مبنى وحدته الخاصة.

الميزة الأعمق أن هذا النموذج يعالج المشكلة التي تؤرق أوروبا اليوم، فالقارّة العجوز تعيش نقاشاً سياسياً محتدماً حول التكييف؛ فنحو خُمس المنازل الأوروبية فقط مزوَّد بأجهزة تكييف (أقلّ من 5% في بريطانيا ونحو 3% في ألمانيا و25% في فرنسا، مقابل 56% في إيطاليا وما يقارب الثلثين في اليونان) وهي أدنى نسبة بين المناطق الغنية، في مقابل 76% في أمريكا الشمالية.

وبين معسكرٍ يطالب بخطة تكييف واسعة النطاق ومعسكرٍ يحذّر من ضغط الشبكة والانبعاثات، يقدّم التبريد المركزي مخرجاً ثالثاً بكفاءته العالية، وحمولة ذروة التي يمكن إدارتها مركزياً، مع إمكانية الربط بالطاقة النظيفة وتخزين الطاقة الحرارية ليلاً.

على أن استنساب هذا الحل في أوروبا يصطدم بعقدة تضاريسية وتاريخية حادة؛ فبينما بُنيت المدن الخليجية الحديثة بتخطيط يتيح مدّ شبكات الأنابيب المركزية تحت الأرض بسهولة، تقف المدن الأوروبية العتيقة، كباريس وروما وبرلين، على طبقات متراكمة من الآثار والبنى التحتية المتهالكة التي تعود للقرن التاسع عشر. وحفر هذه الشوارع التاريخية لتوليد "تبريد حضري" لا يُعدّ خياراً هندسياً مكلفاً فحسب، بل مغامرة معماريّة قد تمسّ هوية هذه المدن، مما يفرض على أوروبا ابتكار نسخ مصغّرة ومكيّفة من هذا النموذج لا تتطلب هدم الماضي لإنقاذ الحاضر.

في المقابل، فإن كلفة عدم التكيّف قد تكون أعلى بكثير، وتتجلى في انخفاض الإنتاجية، وارتفاع الوفيات، وزيادة الضغط على المستشفيات، وتراجع جودة الحياة في مدن كانت تُعدّ حتى وقت قريب من أكثر مدن العالم اعتدالاً.

إعادة تنظيم اليوم

الثقافة اليومية هو آخر المحاور وأصعبها نقلاً وأقلها كلفة؛ في الخليج، انزاح النشاط الاجتماعي والتجاري إلى ما بعد الغروب. الأسواق تنبض في المساء، والملاعب والحدائق تمتلئ بعد مغيب الشمس، والمدارس تعدّل تقويمها، والملابس الفضفاضة الفاتحة حلٌّ فيزيائي قبل أن تكون تقليداً. والقيلولة نفسها ترتيبٌ عقلاني لتفادي ساعات ذروة الحرارة.

ولعل التحدي الأعمق في إعادة ترتيب اليوم لا يكمن في تغييرا العادات الفردية، بل في الصدمة الهيكلية التي قد تصيب "الإنتاجية الاقتصادية". فالمؤسسات الغربية التي قامت فلسفتها التشغيلية لقرون على ساعات العمل المتواصلة من التاسعة إلى الخامسة، ستجد نفسها مجبرة على إعادة هيكلة قطاعات كاملة كالبنوك، والأسواق المالية، والخدمات اللوجستية المرتبطة بالأسواق العالمية.

ليست فكرة إعادة ترتيب اليوم غريبة تماماً عن أوروبا، ففي جنوب القارة، عرفت مجتمعات البحر المتوسط منذ قرون تقاليد تقوم على تجنب ساعات الظهيرة الأشد حرارة، مثل "السييستا" في إسبانيا و"الريبوزو" في إيطاليا، حيث تُغلق المتاجر وتتباطأ وتيرة العمل لاعتبارات اجتماعية تتعلق بالغداء العائلي ونحوها بالدرجة الأولى ثم لاعتبارات الحرارة التي لم تكن تصل إلى ما وصلت إليه الآن بالدرجة الثانية، قبل أن تستعيد المدن نشاطها مع حلول المساء.

هذه المرونة الزمنية التي تراجعت تدريجياً مع صعود اقتصاد المكاتب وتوحيد ساعات العمل، تطل برأسها اليوم، بوصفها أحد أبسط أدوات التكيّف مع المناخ الجديد.

أوروبا التي تغيّرت

قد يبدو من السهل تحميل المدن الأوروبية مسؤولية ما تواجهه اليوم، غير أن ذلك سيكون حكماً متعجلاً. فهذه المدن لم تُصمَّم لدرجات الحرارة المرتفعة إلى منتصف الأربعينيات، بل لشتاء تحديه الأكبر كان توفير الضوء والدفء.

النوافذ الواسعة، والساحات المفتوحة، والجدران التي تحتفظ بالحرارة، لم تكن أخطاءً هندسية، لقد كانت حلولاً ناجحة لظروف مناخية استمرت قروناً.

التحدي الحقيقي يكمن في تحديث الماضي مع الحفاظ على الإرث العمراني والثقافي ليصبح صالحاً لعصر مناخي جديد.

حدود الدرس

ربما لا يكون أهم ما تغيّره أزمة المناخ درجات الحرارة وحدها، بل اتجاه المعرفة نفسها. فعلى امتداد قرنين تقريباً، كان العالم ينظر إلى الشمال بوصفه المصدر الطبيعي للحلول، بينما كان الجنوب يتلقى الخبرات ويكيّفها مع واقعه. أما اليوم، فإن الاحترار العالمي يعيد رسم هذه الخريطة بهدوء. فالخبرة لم تعد تُقاس بمستوى الدخل أو بتاريخ الثورة الصناعية، وإنما بقدرة المجتمعات على التكيّف مع الواقع الذي تعيشه.

ولعلّ هذا هو الدرس الأهم الذي يقدّمه صيف 2026. فحين تصبح الحرارة القصوى جزءاً من الحياة اليومية في باريس ومدريد وبرلين، يغدو من ألفها وعاش معها طويلاً ملهماً لإنتاج الحلول.

لقد دخل العالم مرحلة لم يعد فيها الاحتكار الجغرافي للمعرفة ممكناً؛ فالتحديات العابرة للحدود تفرض تبادلاً جديداً للخبرات، قد يأتي فيه الحل من مدينة صحراوية، أو من جزيرة استوائية، أو من قرية طوّرت عبر الزمن طريقة ناجعة للتعايش مع الطبيعة.

وهكذا، قد يكون الإرث الأهم لموجات الحر المتعاقبة أنها غيّرت خريطة انتقال المعرفة، وتلك لعمري، من أعمق التحولات الحضارية التي يشهدها القرن الحادي والعشرون.