من فرنسا إلى اليونان.. الحرائق تتمدد في صيف أوروبا اللاهب

رجال الإطفاء يكافحون حريقاً في مقاطعة جيروند بفرنسا
رجال الإطفاء يكافحون حريقاً في مقاطعة جيروند بفرنسا

أربع دول، وأربع جبهات نار، وتحذير أوروبي واحد. هكذا بدا يوم أمس في أوروبا، مع استمرار الحرائق رغم انحسارها في بعض المناطق في فرنسا وإسبانيا واليونان، وانضمام تركيا إلى قائمة الدول المتضررة، بينما حذر الاتحاد الأوروبي من انتقال بؤرة الخطر تدريجياً نحو شرق القارة.

ولم تعد الحرائق أزمة محلية، بل جبهة متحركة تتقدم مع موجة الحر والجفاف والرياح.

وبينما بدأت الحياة تعود تدريجياً إلى بعض المناطق المحترقة في فرنسا، كانت النيران تفتح جبهات جديدة في إسبانيا، وتواصل تقدمها في اليونان، قبل أن تمتد إلى تركيا.

وخلال يوم واحد، بدا أن أوروبا لا تواجه سلسلة من الحرائق المنفصلة، بل حريقاً واحداً يتنقل من دولة إلى أخرى.

وكانت فرنسا أول من التقط أنفاسه، بعدما استقرت جبهة الحريق الضخمة غرب بوردو عند نحو 42 ألف هكتار، وبدأ عشرات الآلاف من السكان العودة إلى منازلهم مع تحسن الأحوال الجوية.

غير أن الهدوء بقي هشاً، إذ واصل أكثر من 2000 رجل إطفاء مراقبة البؤر الساخنة خشية أن تعيد الرياح إشعالها، فيما أعلنت السلطات توقيف شخصين للاشتباه في إشعال حرائق عمداً.

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد قال، خلال زيارته المنطقة يوم الاثنين الماضي، إن الحرائق التهمت أكثر من 160 ألف هكتار هذا الموسم، واصفاً ما تشهده البلاد بأنه الأصعب منذ الحرب العالمية الثانية.

لكن القصة لم تتجه نحو النهاية، بل انتقلت غرباً. ففي الوقت الذي أعلنت فيه إسبانيا إلغاء حالة الطوارئ الوطنية بعد إحراز تقدم كبير في احتواء الحرائق قرب مدريد وإلغاء معظم أوامر الإخلاء التي طالت نحو 90 ألف شخص، كان رئيس الوزراء بيدرو سانشيز يحذر من أن موجة الحر الجديدة قد تعيد إشعال النيران، مؤكداً أن بعض الحرائق نتج عن الإهمال ولن يمر المسؤولون عنها دون محاسبة.

ولم تمضِ ساعات حتى أثبتت الوقائع صحة ذلك التحذير. فقد اندلعت ثلاثة حرائق جديدة في شمال غرب البلاد، أجبرت مئات السكان على مغادرة منازلهم، فيما أُخليت قرى ومخيم سياحي قرب الحدود البرتغالية، وسط درجات حرارة تجاوزت 40 درجة مئوية ورياح صعّبت مهمة فرق الإطفاء.

وهكذا، بدا المشهد الإسباني وكأنه يختصر قصة الصيف الأوروبي كلها؛ فكلما هدأت جبهة، اشتعلت أخرى.

ولم يكن المشهد مختلفاً كثيراً على الضفة الأخرى من البحر المتوسط. ففي جزيرة كريت اليونانية، لم يكن هناك مجال للاحتفال بأي تقدم، بعدما تحولت معركة الإطفاء إلى مأساة إنسانية.

فقد واصل أكثر من مئتي رجل إطفاء، تدعمهم الطائرات والمروحيات، مواجهة النيران التي أودت بحياة ثلاثة من رجال الإطفاء، فيما أُجبر مئات السكان والسياح على مغادرة منازلهم ومنتجعاتهم.

وقال مسؤولون محليون إن الرياح العاتية أعاقت مشاركة الطائرات في بعض مراحل الإخماد، بينما دفعت حرائق جديدة السلطات إلى إخلاء قرى إضافية، بحسب رويترز.

وقبل أن تستقر هذه الجبهة، انضمت تركيا إلى المشهد. فقد اندلعت حرائق واسعة في غرب البلاد، أتت على منازل وأغلقت طرقاً وأجبرت السلطات على إجلاء سكان من مناطق سكنية وسياحية، لتتحول الأزمة خلال أيام قليلة إلى أربع جبهات متزامنة تمتد من ساحل الأطلسي حتى شرق البحر المتوسط.

وبينما كانت فرق الإطفاء تنتقل من جبهة إلى أخرى، كان الاتحاد الأوروبي ينظر إلى ما هو أبعد من حرائق الأمس.

فقد حذر مركز تنسيق الاستجابة للطوارئ من أن موجة الحر والجفاف ستدفع بؤرة الخطر خلال الأيام المقبلة نحو اليونان وإيطاليا وأجزاء من وسط أوروبا، في وقت أصبحت فيه القارة تشهد واحداً من أكثر مواسم الحرائق شدة خلال السنوات الأخيرة.

ولم تعد آثار هذا الصيف تقاس بعدد الهكتارات المحترقة فقط. فقد قدرت هيئة الأمن الصحي البريطانية عدد الوفيات المرتبطة بموجتي الحر في مايو ويونيو الماضيين بنحو 2877 حالة، فيما قدّر معهد روبرت كوخ في ألمانيا الوفيات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة منذ بداية العام وحتى 19 يوليو الحالي بنحو 9800 حالة، معظمها بين كبار السن، في مؤشر إلى أن موجات الحر لم تعد تهدد الغابات وحدها، بل أصبحت أزمة صحية متنامية في أنحاء القارة.