لم تعد موجة الحر في أوروبا تقاس بعدد الدرجات المئوية بل بعدد الأمور التي أجبرت الناس على تغييرها، ففي فرنسا هناك من ترك منزله، لأنه لم يعد قادراً على النوم، وفي ألمانيا طُلب من الناس تجنب السفر بالقطارات، لأن الحرارة باتت تهدد البنية التحتية، وفي باريس استدعت المستشفيات مزيداً من الطواقم الطبية بعدما امتلأت أقسام الطوارئ، أما في جبال الألب السويسرية فالجليد يذوب قبل موعده المعتاد بأسابيع.
هكذا كان يوماً جديداً من أيام موجة الحر، التي تضرب أوروبا.
في مدينة تور الفرنسية قررت فيرونيك أن تغادر منزلها إلى فندق. لم تكن تبحث عن عطلة، بل عن ليلة تستطيع أن تنام فيها. وتقول لوكالة «رويترز» إن الحرارة داخل منزلها أصبحت لا تُحتمل، وإنها لم تعد قادرة حتى على التفكير، لذلك قررت أن تنفق جزءاً من ميزانية عطلتها على الإقامة في فندق، لأن ما كانت تحتاج إليه قبل أي شيء هو «القدرة على النوم».
ولم تكن وحدها، فالرئيس التنفيذي لإحدى مجموعات الفنادق الفرنسية قال لـ«رويترز» إنهم يتلقون يومياً طلبات من عائلات تهرب من شققها، وإن الفنادق امتلأت خلال أسبوعين فقط مع تصاعد موجة الحر، لكن بينما كان بعض الأوروبيين يبحثون عن غرفة أكثر برودة كان آخرون يصلون إلى المستشفيات، فبحسب وكالة «فرانس برس» ارتفعت الاتصالات بخدمات الطوارئ في منطقة باريس بنحو 80 % خلال أسبوع واحد، فيما وصف مساعد رئيس بلدية باريس للشؤون الصحية، أنطوان أليبير، ما يحدث بأنه «أزمة صحية»، مؤكداً أن المستشفيات تشهد «حالة اكتظاظ استثنائية».
أما رئيس قسم الطوارئ في مستشفى جورج بومبيدو، أحد أكبر مستشفيات العاصمة، فحذر من أن الوضع «خطير للغاية»، مع ممرات مكتظة بمرضى يعانون ارتفاعاً شديداً في حرارة أجسامهم، معظمهم من كبار السن، لكن بينهم أيضاً أشخاص في الخمسينيات والستينيات.
وفي أنحاء واسعة من القارة لم تعد الحرارة مجرد رقم على شاشة الأرصاد،
فوفق تحليل أجرته وكالة «فرانس برس» يعيش نحو 193 مليون شخص، بينهم 75 مليوناً في ألمانيا، يوماً تتجاوز فيه درجات الحرارة 35 درجة مئوية.
وفي ألمانيا سجّلت هيئة الأرصاد الجوية 41.5 درجة مئوية، وهي أعلى حرارة أولية في تاريخ البلاد، مع توقعات ببلوغ 42 درجة في بعض المناطق.
ودفعت الظروف الاستثنائية شركة «دويتشه بان» إلى دعوة الركاب لتجنب الرحلات غير الضرورية، بعدما حذرت من أن الحرارة الشديدة قد تؤثر في القضبان وأنظمة الإشارات، فيما علّقت شركات تشغيل أخرى بعض خطوط القطارات لساعات.
ولم تتوقف آثار الموجة عند المدن، ففي سويسرا قال رئيس شبكة مراقبة الأنهار الجليدية «جلاموس»، ماتياس هوس، لوكالة «فرانس برس»، إن البلاد ستصل بحلول الاثنين إلى ما يُعرف بـ«يوم فقدان الجليد»، وهو اليوم الذي يذوب فيه كل ما تراكم فوق الأنهار الجليدية خلال الشتاء، في ثاني أبكر موعد يسجل منذ بدء القياسات.
وفي أماكن أخرى أُلغيت مهرجانات موسيقية وسباقات رياضية، وخُففت قواعد اللباس في قاعات الحفلات، ونزل الجيش في المجر لتوزيع المياه على السكان، بينما تستعد دول أخرى لرفع أعلى درجات الإنذار مع انتقال موجة الحر شرقاً.
وترى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن هذه الموجة قد تكون غير مسبوقة من حيث اتساعها، فيما يشير العلماء إلى أن الاحترار العالمي يجعل موجات الحر الشديدة أكثر احتمالاً وأشد قسوة، وإن كان تحديد دور ذلك في أي موجة بعينها يتطلب دراسات علمية متخصصة.
ربما تختصر فيرونيك المشهد كله، فحين يترك إنسان منزله، لأنه لم يعد يستطيع النوم، وتتحول المستشفيات إلى ساحات طوارئ، وتتباطأ القطارات ويبدأ الجليد بالاختفاء قبل أوانه، فالأمر لم يعد أن الحرارة بلغت 42 درجة مئوية بل إن ملايين الناس اضطروا إلى تغيير حياتهم بسببها.
