اليوم، يجد العالم نفسه أمام مشهد جديد؛ حيث لم تعد «القارة العجوز» تلك الكتلة الصماء التي تسير خلف واشنطن مغمضة العينين، بل صارت لها كلمتها، ولقد أظهرت تهديدات الرئيس الأمريكي السابق ترامب وسياسة إدارته غير المتوقعة هشاشة الاعتماد الكامل على واشنطن، ما دفع بروكسل إلى إعادة النظر في أطرها، فهل نحن أمام خلاف عابر فرضته ظروف استثنائية، أم بداية لتحول أعمق في بنية العلاقات الدولية؟
هذه التحولات خلقت تصدعات عميقة تنسف جسور الثقة التاريخية بين الطرفين، حاول قادة الدول الأوروبية الحليفة للولايات المتحدة سابقاً استخدام أسلوب «المجاملة» مع ترامب، إلا أن القلق يتزايد بين الأوروبيين بعدما أصبح واضحاً أن مظاهر الثناء والولاء لم تعد تجدي نفعاً في تغيير مواقف الرئيس الأمريكي المتعصبة تجاه أوروبا.
حجر الزاوية
من حرب إيران إلى أوكرانيا، ومن قضايا السلام في الشرق الأوسط إلى ملفات الهجرة والإرهاب والمناخ، تتباين مواقف واشنطن وبروكسل بشكل لافت، ليس فقط في الوسائل، بل في الجوهر ذاته؛ من يجب أن يتدخل؟ كيف؟ ولماذا؟
بالنسبة إليه، لا يعبّر هذا الموقف عن حذر استراتيجي، بل عن تقاعس وشراكة غير متكافئة، وأعلن وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث، الخميس، إجراء مراجعة جديدة لانتشار القوات الأمريكية في أوروبا، وهدد بوقف دفع بعض المستحقات الأمريكية لحلف الناتو.
كما أن هجوم ترامب الأخير على زعماء القارة العجوز في قمة السبع وسخريته المتجددة من رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، متمسكاً بروايته بشأن الصورة التي أثارت أزمة بينهما. بعد أن كرر بأن ميلوني «توسلت إليه لالتقاط الصورة»، في اجتماع مجموعة السبع. وعزز ذلك الأمر من اعتقاد القادة والمحللين الأوروبيين بأنه وفريقه ينظرون إلى حلفاء أمريكا التقليديين في أوروبا بنظرة فوقية.
سخرية من ميلوني
ويبدو أن الخلاف الجديد بين الزعيمة التي كانت تقدم داخل أوروبا باعتبارها «صوت واشنطن داخل بروكسل»، أو ما وصفه البعض بـ«همسة ترامب في أوروبا»، يعكس توجهاً أوروبياً حازماً لوضع حد لسياسات ترامب الفوقية وخروج أوروبا من بيت الطاعة، لا سيما أن عناصر العداء لأوروبا متأصلة في برامج أيديولوجية مثل استراتيجية الدفاع والأمن القومي الأمريكية .
سياسات الإدارة الأمريكية الهادفة لإجبار الدول الأوروبية على العودة لـ«بيت الطاعة»، أدّت إلى نتائج عكسية؛ حيث دفعت العواصم الأوروبية لتسريع مساعي الانفصال المالي والاقتصادي، وتعزيز برامج «الاستقلال الاستراتيجي» وتقليص الاعتماد العسكري والتكنولوجي على واشنطن، ولا شك أن أوروبا تعلمت من تجربة مطالبة ترامب بضم جزيرة غرينلاند الدنماركية عندما أظهرت المواجهة الأوروبية الموحدة والحازمة قدرتها على التصدي لهذه الضغوط.
استقلالية
تتزايد الدعوات داخل أوروبا لإعادة النظر في الاعتماد الاستراتيجي على الولايات المتحدة وبناء مقاربة أمنية أكثر استقلالاً، حيث تسعى بروكسل إلى بناء استقلالها التدريجي على أسس اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية قوية، تضمن لها القدرة على حماية مصالحها وتحمل مسؤولية أمنها بشكل أكبر دون الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة، لكن لا تزال جهود فك الارتباط في بداياتها .
وسيستغرق الأمر سنوات حتى يتمكن التكتل من التخلص من الاعتماد على التكنولوجيا والدعم العسكري الأمريكي، وتعكس الإجراءات مثل حظر استخدام منصات مؤتمرات الفيديو الأمريكية وتطوير بدائل أوروبية، إضافة إلى تنويع مصادر الطاقة والاتجاه نحو اليورو الرقمي.
