تماسك «الناتو» على المحك

دراغوني يتوسط وزير الدفاع الفلبيني جيلبرتو جونيور ووزير الدفاع السنغافوري تشان تشون سينغ
دراغوني يتوسط وزير الدفاع الفلبيني جيلبرتو جونيور ووزير الدفاع السنغافوري تشان تشون سينغ

تماسك حلف الناتو بات على المحك، بعد تصاعد التوترات الدبلوماسية، إثر الانتقادات الحادة التي وجهتها واشنطن لحلفائها خلال فعاليات منتدى حوار شانغريلا الأمني في سنغافورة، حيث واجه القادة الأوروبيون ضغوطاً أمريكية صارمة، لإعادة ترتيب أولوياتهم الدفاعية، وزيادة ميزانياتهم العسكرية، في ظل تراجع الدعم الأمريكي للحلف.

وشهدت أروقة المنتدى جولة جديدة من التراشق الحاد بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين في الحلف، برغم تأكيدات المسؤولين الأوروبيين على تماسك الحلف وقدرته على الصمود. ويتوقع القادة الأوروبيون، الذين تتخلف بلدانهم عن الركب في الإنفاق الدفاعي، مواجهة غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قمة الناتو، المقررة في أنقرة يومي 7 و8 يوليو، خشيةً من تبادل الاتهامات بشأن مستويات الإنفاق.

ودعا رئيس اللجنة العسكرية لـ «الناتو»، الأدميرال جوزيبي كافو دراغوني، إلى إعادة النظر جذرياً في مفهوم الدفاع الوطني، مؤكداً أن هذا الملف لم يعد حكراً على المؤسسة العسكرية وحدها.

وقال: «الدفاع لم يعد شأناً عسكرياً خالصاً، نحتاج إلى أن يكون الجميع على متن السفينة»، مشيراً إلى ضرورة انخراط السياسيين والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والمؤسسات والقطاع الصناعي في منظومة الأمن القومي.

وأضاف: «ينبغي النظر إلى كل مواطن باعتباره مشاركاً فاعلاً في منظومة الأمن القومي، لا مجرد مستفيد منها».

وأقر دراغوني بأن الصناعة الدفاعية للحلف غير قادرة حالياً على مواكبة التهديدات المتصاعدة، في وقت تبدي روسيا استياءها المتكرر من توسع «الناتو» قرب حدودها الغربية.

وأعلن أن وتيرة تكييف الصناعات الدفاعية الحالية للحلف، لا تزال غير كافية، مشيراً إلى أنها تتخلف عن سرعة تطور التهديدات الأمنية. وقال: «إن الوتيرة الحالية لتكييف الصناعات الدفاعية لا تزال غير كافية، إذ تتجاوزها سرعة تطور التهديدات».

وأوضح أن الناتو لم يعد قادراً على الاعتماد على أنظمة الشراء والإنتاج التقليدية المصممة لظروف السلم القابلة للتنبؤ، في ظل تسارع وتيرة التهديدات الأمنية.

طمأنة الشركاء

واستخدم وزراء دفاع أوروبيون هذا المنتدى الأمني الدولي، لطمأنة الشركاء الآسيويين بأن الحلف لا يزال يحظى بالمصداقية، حيث شددت وزيرة الدفاع الفرنسية، كاترين فوتران، أمام المندوبين، على أن المصداقية الغربية في قارة آسيا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى صلابة الموقف الأوروبي في الدفاع عن أوكرانيا بمواجهة روسيا.

وزير الدولة في وزارة الدفاع الاتحادية الألمانية، نيلس هيلمر، قال إن برلين تسارع في الوقت الحالي من وتيرة استثماراتها العسكرية، بصرف النظر عن شكل الانتشار الأمريكي المستقبلي في المنطقة، ما يعكس رغبة أوروبية متزايدة في تقليل الاعتماد الكلي على الحلف لبناء قدرات دفاعية ذاتية قوية.

وأشار وزير الدفاع النرويجي، توري ساندفيك، إلى مشاركة قوات كورية شمالية في حرب أوكرانيا، معتبراً أن المسرحين الأوروبي الأطلسي والهندي الهادئ، أصبحا يمثلان وحدة واحدة غير قابلة للفصل، ومؤكداً أن انشغال الولايات المتحدة في مسارح متعددة، يفرض على «الناتو» تبنّي رؤية استراتيجية أوسع وأكثر مرونة.

ترابط الجبهات

واستغل الوزراء الأوروبيون المنتدى لطمأنة الشركاء في آسيا بأن «الناتو» يمتلك المصداقية والقرار على التحرك خارج محيطه الجغرافي المباشر. وربطت وزيرة الدفاع الفرنسية، كاثرين فوتريان، مصداقية الحلف في آسيا بمدى قوته وصلابته في أوروبا، والدفاع عن أوكرانيا ضد الهجوم الروسي.

وقال رئيس الوزراء التشيكي، أندريه بابيش، إن بلاده قد تواجه صعوبة في بلوغ هدف الإنفاق الدفاعي البالغ 2 % من إجمالي الناتج المحلي هذا العام، وهو الهدف الذي حدده الحلف منذ 2014. وأوضح أن بلاده تعاني من عجز في الميزانية، وتضمين بعض المشروعات غير العسكرية ضمن الإنفاق الدفاعي، لكنه شدد على أن حكومته ستبذل جهودها للالتزام بالإنفاق الدفاعي في المستقبل.

وبرغم انتقادات البنتاغون، سعى وفد من مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين، إلى إرسال رسائل تطمين للحلفاء الأوروبيين والآسيويين، بتوفر دعم قوي وعابر للأحزاب داخل الكونغرس. وأعربت السيناتورة الأمريكية، تامي داكوورث، عن قلقها، قائلة إنها لمست حالة من القلق لدى الجميع، بما في ذلك حلفاء «الناتو» الذين يخشون على مدى التزام أمريكا بمنطقة الإندو-باسيفيك.

أزمة غير مسبوقة

وكشفت تطورات متزامنة في أوروبا الشرقية، عن تصاعد الحساسيات السياسية والأمنية، بعدما أعلنت بلغاريا تمسكها بإنهاء وجود طائرات عسكرية أمريكية في مطار صوفيا، بالتزامن مع حادثة أمنية أثارت القلق في رومانيا المجاورة.

وأكد رئيس الوزراء البلغاري، رومين راديف، رفضه تمديد بقاء الطائرات وناقلات الوقود الأمريكية في مطار العاصمة، مشيراً إلى أن الظروف الحالية لا تسمح باستمرار هذا الترتيب لفترة أطول.

ويأتي القرار في وقت تشهد العلاقات بين صوفيا وواشنطن حالة من الفتور، بسبب استمرار فرض التأشيرات على البلغاريين الراغبين في زيارة الولايات المتحدة، وهي قضية ظلت محل مطالبات متكررة من الجانب البلغاري خلال السنوات الماضية.

وأثار وجود تلك الطائرات جدلاً سياسياً داخل بلغاريا، خاصة بعد طرح تساؤلات برلمانية بشأن آليات الموافقة على استخدامها للمطار المدني، ومدى اطلاع المؤسسات التشريعية على تفاصيل المهمة.