بدأت بروكسل تضع ثقلها في ملف «هرمز» مع تطور لافت في اللهجة الأوروبية، حيث أطلقت دول أوروبية بقيادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا خطة طوارئ لتأمين الملاحة، تشمل الإجراءات نشر مدمرات وكاسحات ألغام وتعزيز التنسيق الاستخباراتي لحماية ناقلات النفط من الهجمات الصاروخية والمسيرات، مع تحرك دبلوماسي دولي لمنع التصعيد وضمان استقرار إمدادات الطاقة العالمية، فهل يشارك الأوروبيون في إعادة فتح المضيق، وهل بدأت المواجهة مع طهران أم محاولة أوروبية للعب دور الوسيط لكنها ستعمل على الجمع بين الردع البحري والدبلوماسية لمنع توسع المواجهة الأمريكية الإيرانية إلى حرب إقليمية؟
عقدت بريطانيا وفرنسا، أمس ، اجتماعاً على مستوى وزراء الدفاع، ضم ممثلين عن أكثر من 40 دولة، للبحث في تشكيل مهمة بحرية متعددة الجنسيات تهدف إلى مرافقة السفن التجارية وإزالة الألغام واستعادة حركة الشحن عبر المضيق. فرنسا تملك بالفعل أصولاً بحرية كبيرة في المنطقة، تشمل ثماني سفن حربية، وحاملة طائرات وسفينتي هجوم برمائيتين.
تحرك أوروبي
وقد أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن جزءاً من القوات المتمركزة حالياً في شرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر يمكن إعادة توجيهه لدعم المهمة. وفي هذا السياق، أرسلت فرنسا حاملة الطائرات النووية «شارل ديغول» إلى المنطقة، فيما أعلنت لندن نشر المدمرة «إتش إم إس دراغون»، واصفة الخطوة بأنها «إجراء احترازي» تحسباً لأي مهمة دولية وشيكة.غير أن طهران أبدت رفضاً قاطعاً لهذه التحركات، فهل اقتربت المواجهة؟
تقاطع الحسابات
تتقاطع الحسابات السياسية مع الاقتصادية، إذ يمثل أمن المضيق ركيزة أساسية لاستقرار أسواق الطاقة العالمية، بينما يشكل نجاح العملية الأوروبية فرصة لخفض التوتر تدريجياً، حيث تواجه أوروبا تداعيات مباشرة ومتسارعة إذا استمرت إيران في غلق مضيق هرمز، خصوصاً أن القارة الأوروبية لا تزال تعتمد بدرجات متفاوتة على واردات الطاقة والتجارة البحرية القادمة من الخليج. إلى جانب النفط، يُعد المضيق طريقاً رئيسياً للشحن العالمي،
قد يؤخر أي انقطاع في حركة الملاحة واردات أوروبا من المواد الخام والإلكترونيات والسلع الاستهلاكية، ما يؤثر على سلاسل التوريد، وقد ترتفع أقساط التأمين على الشحن، ما يرفع التكاليف على الشركات والمستهلكين الأوروبيين، في وقت يعد الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عبر الأسواق الأوروبية واحداً من أبرز تداعيات الحرب الإيرانية منذ نشوبها، فقد ارتفعت أسعار النفط بنحو 50%، في حين ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة تصل إلى 63% بحسب بعض المؤشرات.
وتشير العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة في أزمة مضيق هرمز، التي تأججت جراء حرب إيران، إلى شراكة أمنية متقاربة، ولكنها غير متطابقة في آليات التعامل مع الأزمة.
مأزق
انتقاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المستمر لبروكسل لرفضها المساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، وضعهم في مأزق مزدوج، نظراً لأن إغلاق إيران للممر المائي الاستراتيجي أدى إلى أزمة طاقة حادة بأوروبا، ومع ارتفاع أسعار النفط والغاز، تصاعد غضب الناخبين بأوروبا، ليضغط على حكوماتها لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً لإعادة فتح الممر للملاحة،
فيما تتضمن المهمة الأوروبية حسب مصادر توفير الدعم اللوجستي لضمان مغادرة مئات السفن العالقة بالمضيق، وتوفير مرافقة عسكرية منتظمة ومراقبة مستمرة عبر الفرقاطات والمدمرات، لمنح شركات الشحن الثقة أثناء المرور، وتنفيذ عملية واسعة النطاق لإزالة الألغام.
ويبدو الموقف الأوروبي معقداً ومتوازناً بين ثلاثة اعتبارات رئيسية: حماية أمن الطاقة، ومنع توسع الحرب، والحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وهذه الحرب ضد إيران تثير قلق الأوروبيين لأنها تُحوّل انتباههم عن أوكرانيا، التي كان ينبغي أن تكون أولويتهم.
