هل تضطر أوروبا للاستقلال القسري عن الحماية الأمريكية؟

روبيو لدى مغادرته المطار بعد حضوره مؤتمر ميونيخ للأمن
روبيو لدى مغادرته المطار بعد حضوره مؤتمر ميونيخ للأمن

خطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في مؤتمر ميونيخ للأمن، الأحد، كشف عن تحوّل جذري في أسلوب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثانية لإدارة علاقاتها مع القارة العجوز؛ فهو لم يأتِ ليعلن القطيعة كما فعل نائب الرئيس جي دي فانس، بل ليطرح صيغة «القومية المتحدة» التي تربط أمن أوروبا بمدى انخراطها في مشروع «التجديد الحضاري» الذي تقوده واشنطن، في مشهدية جديدة تجد فيها أوروبا نفسها مضطرة للتصرف على أساس أنها ستكون عاجلاً أو آجلاً بدون مظلة أمنية أمريكية.

روبيو تعمد استخدام لغة عاطفية من خلال وصفه أمريكا بأنها «ابنة أوروبا»، مستحضراً التراث الثقافي المشترك، ربما ليغلف بها مطالب أمريكية خشنة تتعلق بضرورة تخلي أوروبا عن سياسات المناخ والصناعة التقليدية والهجرة الجماعية، واصفاً إياها بخيارات تؤدي إلى «انحدار حضاري اختياري».

هذا الخطاب يعيد تعريف التحالف بين ضفتي الأطلسي من كونه شراكة مؤسساتية وقانونية إلى «رابطة هوية» تتطلب من الأوروبيين الانحياز التام للرؤية الأمريكية الجديدة مقابل البقاء تحت مظلة الحماية.

وفي مقابل هذه «الطمأنة المشروطة»، تبنت قوى أوروبية وازنة، كألمانيا وفرنسا، منطق «الواقعية الدفاعية» التي تتجاوز القلق من تقلبات ترامب.

فالمستشار الألماني فريدريش ميرتس، رغم ترحيبه بلغة روبيو الهادئة، حاول توجيه رسالة استقلال مفادها أن «الحروب الثقافية» الأمريكية ليست شأناً أوروبياً، وأن الدستور الألماني يضع حدوداً لا تتماشى مع «حمائية» واشنطن الجديدة.

وإذ بدأت برلين وباريس محادثات سرية لإنشاء «قوة ردع نووية أوروبية» مستقلة، فإن هذا التحول يعني أن أوروبا بدأت فعلياً في إجراءات تتعامل على أساس أن «الطلاق الاستراتيجي» مع واشنطن واقع لا محالة، معتبرة أن زمن الاعتماد المطلق على واشنطن قد ولى، وأن «لغة القوة» هي الوحيدة التي ستجعل صوت القارة مسموعاً في نظام عالمي لم يعد يعترف بالقواعد القديمة.

وبالنظر إلى المستقبل القريب، يُتوقع أن يشهد حلف شمال الأطلسي (الناتو) تحولاً بنيوياً يعيد تعريف موازين القوى داخله، حيث تنتقل القيادة التشغيلية تدريجياً إلى أيدي الأوروبيين في ظل «الانسحاب الناعم» للولايات المتحدة من مهام الحماية التقليدية.

وقد تبدى ذلك في قرار واشنطن تسليم مراكز قيادة حيوية لضباط أوروبيين، بالتزامن مع مطالبة ترامب برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الدخل القومي.

حلف بقطبين

هذا التوجه سيفضي إلى نشوء «حلف ناتو بقطبين»؛ أمريكي يركز على التكنولوجيا والردع الاستراتيجي ضد الصين، وأوروبي يتحمل عبء الأمن القاري والميداني.

نحن أمام مسار يعزز من نفوذ «المحور فرنسا-ألمانيا» داخل الحلف، لكنه سيضع وحدة القارة أمام اختبار عسير؛ فبناء جيش أوروبي موحد يتطلب تضحيات سيادية ومالية قد تعجز عنها الدول الأقل ثراءً، مما قد يحول الحلف إلى مجرد مظلة فضفاضة تحمي مصالح القوى الكبرى، بينما تبقى الدول الصغرى رهينة التوافقات الكبرى بين واشنطن - فرنسا وبرلين.

في هذا المشهد، لا يبدو مؤتمر ميونيخ 2026 منصة للحلول، بل مقياس لمسار النظام العالمي؛ حيث لم يعد ممكناً إخفاء الفجوة العميقة في المصالح.

لكن يبقى السؤال ماثلاً: هل انتهى عصر التبعية الأوروبية لأمريكا؟ هذا يحتاج لبعض الوقت لجلائه، لكننا قد نكون أمام حقبة جديدة يكون فيها البقاء لمن يمتلك القوة والقدرة على حماية حدوده وقيمه بمفرده، ما يجعل التحالف الأطلسي يقف اليوم عند مفترق طرق؛ فإما التحول إلى شراكة واقعية بين قوتين مستقلتين، أو الانحدار نحو تفكك بطيء ينهي أكبر تحالف عسكري في التاريخ الحديث.