في مشهد يبدو أقرب إلى أفلام المغامرات، كان الذهاب إلى المدرسة بالنسبة إلى أطفال قرية صينية نائية رحلة محفوفة بالمخاطر، تتطلب عبور منحدرات شاهقة وتسلق سلالم معلّقة بمحاذاة جدران صخرية حادة. إنها قرية أتوليير (Atulie’er)، المعروفة باسم «قرية الجرف»، الواقعة في إقليم ليانغشان ذي الحكم الذاتي لقومية يي، بمقاطعة سيتشوان جنوب غربي الصين، حيث فرضت التضاريس الوعرة عزلة قاسية على السكان لسنوات.
لم تكن مشقة الطريق مقتصرة على الأطفال وحدهم، لكنها كانت أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالتعليم. فقد اضطر التلاميذ إلى اجتياز المسارات الجبلية للوصول إلى مدارسهم، في رحلة كشفت صورها المتداولة حجم التحديات التي واجهتها الأسر في تأمين التعليم لأبنائها.
ووفقاً لتقرير نشره موقع «تشاينا دوت أورغ» نقلاً عن وكالة أنباء شينخوا، لم تبدأ إحدى الفتيات الدراسة حتى بلغت الحادية عشرة من عمرها، إذ انتظرت أسرتها حتى تصبح أطول وأقوى بما يكفي لاجتياز الطريق الجبلي. وفي وقت لاحق، كانت الفتاة، البالغة 17 عاماً، تقيم في مدرسة ثانوية محلية خلال فترة الدراسة.
وتقع القرية في منطقة جبلية تتسم بمنحدرات شبه عمودية، وكانت السلالم المصنوعة من الخشب والكروم الوسيلة الأساسية التي يستخدمها السكان للوصول إلى المناطق المجاورة. وبلغ ارتفاع الجرف الذي اضطروا إلى اجتيازه نحو 800 متر، ما جعل الرحلة مرهقة ومحفوفة بالمخاطر، سواء عند الذهاب إلى المدرسة أو شراء الاحتياجات اليومية أو الحصول على الخدمات الأساسية.
2556 درجة على حافة الخطر
في عام 2016، استبدلت السلطات السلالم البدائية بدرجات فولاذية أكثر متانة، بلغ عددها 2556 درجة، في خطوة حسّنت ظروف التنقل، لكنها لم تُنهِ المشقة. وظل صعود الجرف ونزوله يتطلب جهداً بدنياً كبيراً، فيما تحولت صور التلاميذ وهم يحملون حقائبهم المدرسية ويتنقلون على السلالم إلى رمز للعزلة التي عاشتها القرية.
ومع أن الدرجات الجديدة وفّرت مساراً أكثر أماناً من السلالم القديمة، فإنها لم تكن بديلاً عن الطرق المعبدة ولا حلاً كاملاً لصعوبة الوصول إلى المدارس والخدمات الصحية والأسواق. وأظهرت هذه التجربة كيف يمكن للعوامل الجغرافية أن تتحول إلى عائق أمام فرص التعليم، خصوصاً عندما تضطر الأسر إلى الموازنة بين سلامة أبنائها وقدرتهم على مواصلة الدراسة.
انتقال يفتح باباً جديداً
في مايو 2020، انتقلت 84 أسرة فقيرة من القرية إلى مساكن جديدة قرب مركز مقاطعة جاوجويه، ضمن برنامج لنقل السكان من المناطق النائية وتحسين ظروف معيشتهم. وأتاح الانتقال للأسر الوصول بصورة أسهل إلى المدارس والمستشفيات والخدمات الأساسية، بعدما كانت الرحلات اليومية مرتبطة بتضاريس خطرة.
أما القرية القديمة، فقد اكتسبت شهرة واسعة بفضل طبيعتها الجبلية الاستثنائية وسلالمها الممتدة على الجرف، وأصبحت مقصداً للزوار، بعدما كانت تلك السلالم جزءاً من مشقة الحياة اليومية.
وتختصر قصة أتوليير معاناة مجتمع واجه عزلة فرضتها الجغرافيا، وكانت رحلة الأطفال إلى المدرسة أحد أكثر وجوهها وضوحاً. فبين السلالم الخشبية والدرجات الفولاذية ثم الانتقال إلى مساكن جديدة، تغيّرت حياة السكان، وبقيت صور الطريق المعلّق شاهداً على المسافة الصعبة التي كان على بعض الأطفال اجتيازها للحصول على حقهم في التعليم.
ورغم انتقال معظم سكان أتوليير إلى مساكن جديدة عام 2020، لا تزال القرية القديمة قائمة على المنحدرات الجبلية، شاهدةً على سنوات من العزلة التي جعلت الوصول إلى المدرسة والخدمات الأساسية تحدياً يومياً. ومع تراجع دورها السكني، اكتسبت شهرة بوصفها وجهة تستقطب الزوار الراغبين في استكشاف موقعها الاستثنائي وسلالمها الفولاذية الممتدة على الجرف، فيما تحوّلت حكاية أطفالها إلى جزء بارز من تاريخها.
