حقائب شانيل تضع سيدات كوريا في قفص الاتهام

تهتز أركان التحالفات المعقدة بين السلطة الدينية والسياسية في كوريا الجنوبية على وقع تطورات قضائية غير مسبوقة، تُسدل الستار على عقود من النفوذ المطلق لزعيمة "كنيسة التوحيد" هان هاك-جا.

ويأتي صدور الأحكام القضائية الرادعة بالسجن لمدة عامين بحقها، على خلفية تورطها في شبكة رشوة واسعة شملت هدايا فاخرة أبرزها قلادة تفوق قيمتها 60 مليون وون كوري (حوالي 43,600 دولار) وحقائب "شانيل" الموجهة للسيدة الأولى السابقة، ليعيد رسم حدود المساءلة، كاشفاً تفاصيل دقيقة عن صفقات الكواليس، حيث تتهاوى الحصانات وتخضع أكبر الإمبراطوريات لاختبار سيادة القانون.

في تطور قضائي بارز،ووفقا لتقرير صحيفة "فايننشال تايمز" أصدرت محكمة مقاطعة سول المركزية، يوم الإثنين، حكماً بالسجن لمدة عامين بحق زعيمة كنيسة التوحيد، في قضية رشوة مدوية تورطت فيها السيدة الأولى السابقة للبلاد، وذلك في مسعى مزعوم لكسب حظوة ومكاسب واسعة لمشاريع الكنيسة التجارية الضخمة.

التمويل السياسي

وقد قضت المحكمة بفرض عقوبة السجن لمدة عام بحق هان هاك-جا، البالغة من العمر 83 عاماً، لانتهاكها قوانين التمويل السياسي، إلى جانب حكم منفصل آخر بالسجن لمدة عام إضافي بتهمة الالتماس غير المشروع والكسب غير المشروع.

ورغم قسوة الأحكام، لم يُقتَدِ بهان إلى الاحتجاز فوراً؛ إذ قامت السلطات بتعليق تنفيذ قرار احتجازها حتى يوم الأربعاء القادم اعتباراً لأسباب صحية طارئة.

وفي حيثيات حكمها الحازم، أوضحت المحكمة قائلة: "اُرتكبت الجرائم بهدف استغلال القوة المالية لكنيسة التوحيد بهدف توسيع نفوذها الديني وزيادة ثقلها السياسي". وأضافت في السياق ذاته: "

بغض النظر عما إذا كانت طلبات الكنيسة للحصول على خدمات قد أُجيبت في نهاية المطاف أم لا، فإن ثقة الجمهور وتوقعاته تجاه السياسة الحكومية قد تقوضت بشكل جذري".

الهدايا الفاخرة

تعود جذور القضية إلى الاعتقال الذي تعرضت له هان في العام الماضي، حيث وجهت إليها اتهامات مباشرة بإصدار توجيهات صارمة لمسؤول رفيع في الكنيسة يقضي بتمرير مجوهرات مصممة بدقة وإكسسوارات فاخرة إلى كيم كيون هي، التي كان زوجها يون سوك يول يشغل منصب رئيس البلاد آنذاك، فضلاً عن تحويل أموال طائلة إلى برلماني نافذ كان يُعد حليفاً مقرباً للرئيس يون.

وفي السياق ذاته، أصدر القضاء حكماً بالسجن لمدة ستة أشهر بحق يون يونغ-هو، الذي يُعد المسؤول الثاني داخل تسلسل السلطة في الكنيسة.

وأكد المدعون العامون أن الكنيسة قامت بشكل "نشط" بتعبئة ومحاكاة كافة مواردها المالية والبشرية لدعم حملة يون الانتخابية في عام 2022، متمنية حصد مكاسب من إمبراطوريتها التجارية المتشعبة والواسعة التي تتقاطع استثماراتها في مجالات عدة تشمل التزلج، منتجعات المحيطات والجولف، قطاعات البناء والدفاع، صناعة قطع غيار السيارات، إضافة إلى امتلاكها مؤسسة صحفية.

وأشار التحقيق إلى منح الكنيسة هدايا استثنائية وباهظة الثمن للسيدة الأولى السابقة، تضمنت قلادة فارهة تحمل توقيع ماركة "فان كليف آند آربلز" (Van Cleef & Arpels) تجاوزت قيمتها حاجز 60 مليون وون كوري (ما يعادل 43,600 دولار أمريكي)، فضلاً عن حقيبتي يد فاخرتين من علامة "شانيل".

اتحاد العائلات

في المقابل، دأبت هان، التي ترملت بعد وفاة مؤسس كنيسة التوحيد مون سون-ميونغ، على نفي أي اهتمام لها بخبايا السياسة الكورية، مؤكدة في بيانها الختامي أمام منصة القضاء: "أنا لا أستخدم المال بغرض السعي وراء السلطة".

وعقب النطق بالحكم، أصدرت الكنيسة، المعروفة رسمياً تحت اسم "اتحاد العائلات من أجل السلام العالمي وتوحيد العالم"، بياناً رسمياً جاء فيه: "نحن نعتذر بشدة لتسببنا في قدر كبير من القلق وخيبة الأمل بين أفراد الجمهور".

بيد أن البيان استدرك ليؤكد أن الكنيسة تجد صعوبة بالغة في تقبل النتيجة القضائية، قائلة إنها تجد أنه "من الصعب للغاية قبول ما توصلت إليه المحكمة من أن هان قد أمرت بالافعال المعنية ووافقت عليها، مع وعيها التام بهدفها غير القانوني".

وكانت الكنيسة قد سارعت في وقت سابق إلى إدانة التحقيقات، واصفة إياها بأنها "انتهاك واضح للحرية الدينية"، ومفسرة أعمال الرشوة المنسوبة إليها على أنها مجرد "سلوك فردي من قبل يون"، المسؤول الكنيسي الذي بادلها الاتهمات وقام بدوره بإلقاء كامل المسؤولية على هان.

الجدل القانوني

تأسست كنيسة التوحيد جذرياً في عام 1954 على يد مون، وهو قس مشيخي مفصول نصب نفسه مسيحاً جديداً، واشتهر عالمياً بتنظيم مراسم زفاف جماعية ضخمة، حيث يُعرف أتباعه وميدانياً باسم "المونيين". وتولت هان مقاليد قيادة المجموعة الروحية إثر وفاة مون في عام 2012.

ولطالما واجهت الكنيسة سجلاً مثقلاً بالجدل والأزمات القانونية؛ ففي العام الماضي، أمرت محكمة يابانية بحلها التام في البلاد على خلفية ممارسات جمع التبرعات المسيئة التي تلت حادثة اغتيال رئيس وزراء اليابان الأسبق شينزو آبي في عام 2022، حيث زعم قاتل آبي أن والدته قد أُفْلست تماماً بسبب تبرعاتها المتكررة للكنيسة.

اعتقالات موازية

تتزامن هذه القضية مع تاريخ طويل في كوريا الجنوبية يتسم بعلاقات وثيقة ومعقدة بين الشخصيات السياسية والجماعات الدينية، التي غالباً ما تقدم مصدراً ثابتاً وموثوقاً للأصوات الانتخابية والتمويل، فضلاً عن تمتعها بنفوذ واسع النطاق.

وفي هذا السياق، شهد شهر يونيو اعتقال لي مان-هي، مؤسس "كنيسة شينشونجي يسوع"، بتهمة تدبير انضمام عشرات الآلاف من أتباعه إلى صفوف حزب "قوة الشعب" المحافظ، على الرغم من نفي لي القاطع لأي مخالفات قانونية.

وأشار المدعون العامون إلى أن كنيسة التوحيد عمدت أيضاً إلى تقديم دعم مالي بلغ 100 مليون وون (نحو 73,000 دولار) لكوون سيونغ-دونغ، المشرع والسياسي النافذ في حزب "قوة الشعب"، وذلك بغرض تمويل حملته الانتخابية، فضلاً عن حشد وتنظيم أعضائها للانضمام إلى الحزب لدعم طموحاته القيادية في عام 2023. وفي مطلع هذا الشهر، أيدت المحكمة العليا حكماً نهائياً بالسجن لمدة عامين بحق كوون.

وعلى الصعيد السياسي الأوسع، وُجهت مصير مماثل للرئيس السابق يون، الذي عُزل وأُطيح به من منصبه العام الماضي على خلفية محاولته الفاشلة لفرض الأحكام العرفية، حيث حُكم عليه بالسجن المؤبد بعد إدانته بتهمة التمرد.

كما أودعت السيدة الأولى السابقة كيم خلف القضبان بعد إدانتها بجرائم الرشوة والتلاعب بالأسهم، في الوقت الذي يواصل فيه الطرفان نفي كافة التهم المنسوبة إليهما