ثورة تواقيع يابانية ضد فنون ترامب الساخرة

لم تعد شخصيات الأنمي والمانغا اليابانية تعيش داخل الشاشات والكتب فقط، فقد تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى لغة عالمية، يعرفها الأطفال والشباب والبالغون من طوكيو إلى نيويورك، وتملك قدرة نادرة على العبور بين الثقافات.

لكن هذه الشعبية نفسها جعلتها اليوم في قلب جدل جديد، بعدما أثار استخدام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وشبكات تابعة للبيت الأبيض صوراً ومقاطع مستوحاة من أعمال يابانية شهيرة غضباً واسعاً بين عشاق الأنمي في اليابان.

القضية بدأت تتصاعد منذ مارس الماضي، عندما لاحظ عدد من المتابعين استخدام صور ومقاطع مرتبطة بشخصيات مثل بيكاتشو وناروتو ويوغي يو ودراغون بول في منشورات ذات طابع سياسي أو عسكري على حسابات مرتبطة بترامب أو البيت الأبيض.

 وبحسب "بي بي سي"، وقّع نحو 20 ألف شخص عريضة إلكترونية تطالب ترامب والبيت الأبيض بالتوقف عن استخدام شخصيات الأنمي والمانغا اليابانية في سياقات سياسية، معتبرين أن ذلك قد ينتهك حقوق المبدعين ويشوّه القيم التي تحملها هذه الأعمال.

 وذكرت "ذا غارديان" أن عدد الموقعين تجاوز لاحقاً حاجز 20 ألفاً، بينما أشارت مصادر أخرى إلى أن العريضة تخطت 23 ألف توقيع مع تجدد الغضب بعد فيديو ناروتو.

ووفقاً للصحيفة، فإن العريضة تقول إن استخدام أعمال يابانية محبوبة في سياق عسكري أثار مشاعر متضاربة لدى المعجبين، لأن هذه الأعمال ارتبطت لدى جمهورها بقيم الشجاعة والصداقة والإصرار، لا بالدعاية الحربية أو الرسائل السياسية.

فيديو ناروتو

تجددت موجة الغضب بعد أن نشر ترامب على منصته "تروث سوشال" مقطعاً يصوره على هيئة ناروتو أوزوماكي، بطل سلسلة المانغا والأنمي الشهيرة التي تدور حول فتى نينجا يسعى إلى الاعتراف به وقيادة قريته.

 وذكرت صحيفة "طوكيو ويكندر"  أن المقطع أظهر ترامب بملابس برتقالية وسوداء، وهو يؤدي حركات مستوحاة من تقنيات "النينجوتسو" المرتبطة بالشخصية.

بالنسبة لكثير من المعجبين، لم تكن المشكلة في المزاح أو استخدام ثقافة شعبية عالمية، بل في تحويل شخصية تحمل معاني الصداقة والمثابرة والاعتراف بالآخر إلى أداة داخل خطاب سياسي أمريكي.

رفض الحقوق

لم يبق الاعتراض في حدود الجمهور فقط، فقد أصدر الحساب الرسمي ليوغي يو على "إكس" بياناً قال فيه إن المبدعين الأصليين وفريق الأنمي لم يشاركوا في إنتاج ذلك المحتوى، وإنه لم تُمنح أي موافقة لاستخدام الملكية الفكرية المعنية.

كما نقلت صحيفة "طوكيو ويكندر" أن البيان جاء بعد استخدام لقطات من العمل في مقطع مرتبط بالضربات على إيران. وهذا منح الجدل بعداً قانونياً أوضح: فالمسألة ليست فقط ذوقاً ثقافياً أو حساسية جماهيرية، بل تتعلق أيضاً بسؤال حقوق الملكية الفكرية ومن يملك حق استخدام هذه الشخصيات في الدعاية السياسية.

بيكاتشو والسياسة

امتدت القضية أيضاً إلى بوكيمون. فقد نقلت مجلة "بيبول" الشهيرة أن "The Pokémon Company International" انتقدت استخدام البيت الأبيض صوراً مستوحاة من لعبة "Pokémon Pokopia" مؤكدة أنها لم تشارك في إنتاج أو توزيع المحتوى، ولم تمنح إذناً باستخدام ملكيتها الفكرية. وقالت الشركة إن رسالتها تقوم على "جمع العالم معاً"، وإن هذه الرسالة لا ترتبط بأي توجه سياسي أو أجندة حزبية.

عريضة يابانية

العريضة التي حملت عنوان "Protect Japanese Manga" بدأت في مارس، ثم عادت إلى الواجهة بعد فيديو ناروتو، وبحسب "بي بي سي"، تقف وراء العريضة امرأة من محافظة كاناغاوا تُدعى نانا سوزوكي، وهي من محبي الأنمي والمانغا، وقالت إن ما دفعها للتحرك هو شعورها بأن استخدام أعمال مثل يوغي يو في سياق عسكري يتعارض مع روح العمل ورسالة مبدعيه، خصوصاً أن مؤلف السلسلة كازوكي تاكاهاشي توفي بعد محاولته إنقاذ أشخاص من الغرق في البحر.

انقسام الجمهور

رغم اتساع الغضب، لم يكن موقف الجمهور موحداً بالكامل، فقد نقلت "ذا غارديان" أن بعض المستخدمين اليابانيين رأوا في استخدام ترامب لشخصية ناروتو دليلاً على مدى انتشار المانغا اليابانية عالمياً، حتى إن رئيس الولايات المتحدة يعرفها ويستخدم رموزها. لكن هذا الرأي بقي في مواجهة صوت أعلى يرى أن الشهرة العالمية لا تمنح السياسيين حق استخدام الشخصيات من دون إذن، ولا تسمح بنقلها إلى سياقات لا تشبه القيم التي بُنيت عليها.

ما يجعل هذه القضية أكبر من منشور سياسي عابر هو مكانة الأنمي والمانغا في اليابان. فهذه الأعمال ليست مجرد ترفيه، بل جزء من القوة الناعمة اليابانية، وصناعة ضخمة، وذاكرة جماعية لملايين المعجبين حول العالم. لذلك، يرى المنتقدون أن استخدامها في رسائل سياسية أو عسكرية من دون إذن لا يمس صورة العمل فقط، بل يمس أيضاً علاقة الجمهور بالمبدعين، وبالمعاني التي نشأوا عليها داخل هذه القصص.