خط "ديورند".. قصة الحدود "النازفة" بين أفغانستان وباكستان

عادت "الدماء" لترسم ملامح العلاقة المتوترة بين أفغانستان وباكستان خلال الساعات الماضية، حيث أعلن الجيش الأفغاني سيطرته الكاملة على مواقع وتحصينات تابعة للجيش الباكستاني، عبر بيانٍ رسمي للفيلق العسكري في الشرق، مؤكداً أن ليلة الخميس شهدت "اشتباكات عنيفة" لم تكتفِ بصد الهجمات، بل تجاوزتها إلى "عمليات هجومية واسعة النطاق". وأوضح المتحدث باسم الحكومة الأفغانية، ذبيح الله مجاهد، أن هذا التحرك جاء رداً مباشراً على الغارات الجوية التي نفذتها باكستان مطلع الأسبوع.

وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن كابل، فقد بدأ الهجوم بالاستيلاء على 5 مواقع عسكرية باكستانية، ليرتفع سقف الطموح الميداني سريعاً وتعلن مديرية الإعلام في ولاية ننجرهار الشرقية عن سقوط 17 موقعاً عسكرياً باكستانياً تحت سيطرة القوات الأفغانية. هذا الاقتحام لا يمثل مجرد رد فعل عسكري، بل هو إعلان صريح عن رفض كابل لأي سيادة باكستانية على تلك النقاط الحدودية الحساسة.

لعنة 1893

تعود جذور المأساة الحالية إلى ما قبل 133 عاماً (عام 1893)، حين كان الضابط البريطاني هنري ديورند يخط بيده على الورق حدوداً اعتباطية تفصل بين أفغانستان ومناطق النفوذ البريطاني في الهند آنذاك. لم يكن ديورند يدرك، أو ربما كان يدرك تماماً، أنه يقسم جسد قومية "البشتون" العريقة إلى نصفين؛ نصف بقي تحت سيادة الإمارة الأفغانية، ونصف آخر خضع للنفوذ البريطاني (وهو ما يعرف اليوم بمناطق خيبر بختونخوا ووزيرستان في باكستان)، فضلاً عن تقسيم مشابه طال إقليم بلوشستان.

كان هذا التقسيم نتاجاً "للعبة الكبرى"، تلك الحرب الباردة بين الإمبراطوريتين البريطانية والروسية في آسيا. وحين فشلت بريطانيا في إخضاع أفغانستان بالكامل عبر السلاح، قررت تحويلها إلى "منطقة عازلة"، ورسم "ديورند" تلك الحدود لتكون حاجزاً جغرافياً في منطقة جبلية وعرة، من المستحيل حراستها أو مراقبتها بدقة، ما جعلها تاريخياً ملاذاً للحركات المتمردة والقبائل العابرة للحدود.

صراع روايات

منذ انتقال السلطة في كابل إلى حركة طالبان، دخل التوتر الحدودي مرحلة "كسر العظم"، وفيما تصر إسلام أباد على إكمال مشروع "السياج الحدودي" الممتد على طول 2700 كيلومتر، ترى كابل في هذا الجدار محاولة لترسيخ "أمر واقع" استعماري ترفضه تماماً.

وتتصادم في هذا الملف روايتان لا تلتقيان، الأولى رواية أفغانية (تبنّاها حامد كرزاي وأشرف غني وصولاً إلى الإدارة الحالية)؛ وترى أن اتفاقية ديورند كانت "اتفاقية مؤقتة" مع إدارة استعمارية زالت بانسحاب بريطانيا، وبالتالي فإن هذه الأراضي يجب أن تعود للسيادة الأفغانية، ولا تعترف كابل رسمياً بهذا الخط كحدود دولية نهائية.

أما الثانية فرواية باكستانية، ترفض ذلك الطرح الأفغاني جملة وتفصيلاً، وتعتبر خط "ديورند" حدوداً دولية قانونية معترفاً بها، مستندة إلى اعترافات تاريخية من حكومات أفغانية سابقة (آخرها عام 1976)، وترى في السياج الحدودي ضرورة أمنية قصوى لمنع تسلل الجماعات المسلحة التي تشن هجمات دامية في الداخل الباكستاني.

برميل بارود

اليوم، ومع سقوط الضحايا من الجانبين، يتأكد أن أزمة "ديورند" ليست مجرد خلاف فني على ترسيم الحدود، بل هي أزمة هوية وقومية وجغرافيا سياسية بامتياز. فالمناطق التي رسمها ديورند بـ"حد السكين" لا تزال تنزف منذ عام 1947 (تاريخ استقلال باكستان)، وكل محاولة لتسييج هذه الحدود أو فرض واقع أمني جديد عليها تُجابه برفض قبلي وسياسي من الجانب الأفغاني.

بين اتهامات باكستان لكابل بإيواء المسلحين، وغضب كابل من استهداف مدنييها، يظل خط "ديورند" الشاهد الأكبر على أن أخطاء الجغرافيا السياسية في الحقبة الاستعمارية لا تزال تدفع ثمنها أرواح الأبرياء في القرن الحادي والعشرين.