الارتداد الاستراتيجي.. سطوة القوة في عالم ما بعد القانون

لم تعد التحركات الأمريكية الأخيرة في فنزويلا والضغوط لإنهاء حرب أوكرانيا، مجرد فصول منفصلة، بل مشهد متصل، وأجزاء من هندسة سياسية شاملة تهدف إلى إفراغ الساحة العالمية من الصراعات الجانبية التي استنزفت الموارد الغربية طوال السنوات الماضية.

الخبير السياسي جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، يرى أن ما نشهده بمثابة تطبيق قسري لأفكار المدرسة الواقعية، حيث تخلت واشنطن تماماً عن أحلام «نشر الديمقراطية» واستبدلتها بـ «تأمين المصالح الحيوية».

وتطلب تنفيذ هذا الاستبدال إغلاق جبهة أوكرانيا بأي ثمن لضمان تحييد روسيا، بالتوازي مع ما يصفه الخبراء بـ «النسخة الراديكالية من مبدأ مونرو» في فنزويلا، حيث يتم استخدام القوة العسكرية لتأمين موارد الطاقة وقطع الطريق على النفوذ الصيني في منطقة الكاريبي، الأمر الذي يفسره المحلل السياسي إيان بريمر، رئيس ومؤسس «مجموعة أوراسيا»، كمحاولة لخلق «عالم من الجزر المعزولة» تؤمن فيه كل قوة عظمى حديقتها الخلفية وتكتفي بمواردها السيادية لتجنب صدمات سلاسل الإمداد العالمية.

عملة واحدة

وفي عمق هذا المشهد، يبرز البعد الاقتصادي الذي يؤمن الربط بين خيوط هذه الملفات، حيث يشير الاقتصادي الشهير نورييل روبيني، أستاذ اقتصاد بجامعة نيويورك، إلى أن السيطرة على فنزويلا ونفطها ليست مجرد رغبة في التوسع الجغرافي، بل أداة لخفض أسعار الطاقة العالمية لضرب القدرة المالية لموسكو من جهة، وتجريد بكين من ميزة التفاوض مع منتجين خارج السيطرة الأمريكية من جهة أخرى،

ما يجعل إنهاء الحرب في أوكرانيا والتدخل في فنزويلا وجهين لعملة واحدة هدفها حرمان الخصوم استراتيجياً من أوراق الضغط الطاقي.

هذا التحول يراد منه تمكين القوى الكبرى من الدخول في «حمية سياسية» صارمة، بحيث يتم التخلص من «الزوائد» والالتزامات الدولية المرهقة والتركيز فقط على ما يبني «واقعاً سيادياً» قوياً قادراً على المنافسة.

تحالفات

ويكتمل هذا المشهد ببروز «التحالفات السيادية العابرة للأيديولوجيا» كقطعة أخيرة في النظام العالمي المتشكل، حيث يرى إدوارد لوس، محرر قسم الشؤون الوطنية الأمريكية وكاتب في صحيفة فاينانشال تايمز، أن العالم بدأ يشهد تشكل كتلة صلبة في الشرق الأوسط وآسيا تتبنى سياسة «الحياد النشط»، وترفض أن تكون مجرد ساحات لتصفية الحسابات أو أدوات في الصفقات الكبرى بين الدول العظمى، بل بدأت في فرض شروطها كـ «مراكز قوى مستقرة» تصر على بناء أنظمة موازية تعتمد على الاستقلال التقني والمالي.

العولمة

البعض اعتبر أن عصر ترامب ذو طابع قومي صرف على حساب العولمة، لكن الأصح أننا أمام انتقال من عولمة مفتوحة إلى «عولمة انتقائية» تعتمد على صفقات مباشرة مدعومة بالتدخل العسكري المباشر أو التهديد به، وبالتالي تهميش قواعد القانون الدولي لصالح «منطق القوة» غير المقيدة وغير المنضبطة.نحن إذن أمام عملية تنطوي فعلياً على «مسار عكسي للعولمة»، فبدلاً من الاعتماد على سلاسل إمداد عالمية فضفاضة، تقوم القوى العظمى باقتطاع مساحات جغرافية وتأمينها بالقوة، بحيث يحصل تقاسيم نفوذ، حتى لو من دون اتفاق. وما يبدو في الظاهر مواضيع غير متصلة، هو في الحقيقة عملية جراحية كبرى لإعادة رسم خريطة النفوذ العالمي.