ترقب الجميع الخطوة الأمريكية القادمة بعد اعتقال الرئيس مادورو، ورغم الاستعراض الأمريكي في اعتقال الزعيم الفنزويلي الذي تحدى ترامب ورفض الانصياع للسياسات الأمريكية منذ وقت طويل لم يتحدث ترامب عن تسليم السلطة للمعارضة، ولا عن مسار ديمقراطي واضح، بل عن «إدارة» أمريكية للبلاد ونفطها بـ«مليارات الدولارات»، وعن انتقال مؤجل للسلطة إلى أجل غير مسمى.
مشكلة اليوم التالي التي واجهت أمريكا تتكرّر، فالعملية الخاطفة بقوات دلتا باعتقال مادورو في 8 ساعات لا تكفي لحسم مستقبل فنزويلا حيث أكدت واشنطن أن علاقتها بحكومة ديلسي رودريغيز المؤقتة ستستند إلى قدرتها على الالتزام بقواعدهم، إلا أنها لوحت باتخاذ إجراءات عسكرية إضافية إذا لم تحترم مصالح أمريكا.
ويرى محللون أن نجاح ترامب في المرحلة المقبلة سيتوقف على قدرته على إيجاد شركاء موثوق بهم داخل ما تبقى من مؤسسات الدولة الفنزويلية. فعلى الرغم من اعتبار واشنطن أن نظام مادورو غير شرعي، قال ترامب إن وزير الخارجية ماركو روبيو أجرى اتصالات مع نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، زاعماً أنها «مستعدة للقيام بما يلزم». لكن رودريغيز سرعان ما نفت ذلك علناً مطالبة بالإفراج الفوري عن مادورو وزوجته.
غموض
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، «سنجري تقييماً استناداً إلى ما يفعلونه، وليس ما يقولونه علناً في الفترة الانتقالية». ولم يعطِ روبيو أي إشارة تدل على أن إدارة الرئيس دونالد ترامب ستدعم شخصيات معارضة سبق لواشنطن أن اعتبرتها قيادات شرعية للبلاد. وقال إن الولايات المتحدة تريد تجنّب التورّط في إعادة بناء دول.
رأت صحيفة «واشنطن بوست» أن عملية اعتقال مادورو بدت بارعة من حيث التنفيذ، غير أن ما بعدها ينذر بفوضى محتملة، معتبرة أن الخيارات المتاحة أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شديدة التعقيد.
وأشارت الصحيفة إلى أن الاكتفاء بإزاحة مادورو وترك أركان نظامه قائمة سيُعد إنجازاً منقوصاً، في حين أن السيطرة على النفط تبدو خياراً بالغ الصعوبة، لأن أي سلطة جديدة ستفقد شرعيتها إذا قبلت بذلك، وفق تقديرها.
تأمل إدارة ترامب أن تتمكن شخصيات المعارضة الفنزويلية من ملء الفراغ في السلطة والذي سيحدث في حالة الإزاحة بمادورو، وهو أمر درسته إدارة ترامب الأولى عندما دعمت زعيم المعارضة الفنزويلية خوان غوايدو بعد فوز مادورو في انتخابات عام 2018 التي تم انتقادها دولياً باعتبارها مزورة. واعترفت إدارة ترامب الأولى رسمياً بغوايدو زعيماً شرعياً لفنزويلا في عام 2019، لكن محاولة الانقلاب الفاشلة في ذلك العام حالت دون تمكنه من السيطرة على السلطة.
ولكن من أجل الإبقاء على أي من قادة المعارضة المحتملين في السلطة، فإن نوع الدعم المطلوب من الولايات المتحدة سيتجاوز توفير جهاز آمن - ستكون هناك ضرورة إلى تقديم المساعدة على إعادة بناء الجيش، ورفع التجميد عن أموال الحكومة الفنزويلية، وتدريب قوات الشرطة التابعة لها، حسب ما قال الخبراء.
الأمن والاقتصاد
في المقابل، تعمل المعارضة الفنزويلية بقيادة ماريا كورينا ماتشادو وإدموندو غونزاليس منذ سنوات على خطط لليوم التالي، تشمل الأمن والاقتصاد والطاقة والبنية التحتية والتعليم. وأوضح ديفيد سمولانسكي، أحد قادة المعارضة، أن خطط «100 ساعة» و«100 يوم» جرى مشاركتها مع جهات داخل الإدارة الأمريكية، رغم عدم وضوح مدى تبني الإدارة لها.
ويرى مراقبون سياسيون أن للولايات المتحدة عدة أهداف من وراء اعتقال مادورو، أبرزها السيطرة على الثروة النفطية الهائلة لفنزويلا، وتقويض علاقاتها مع روسيا والصين. كما تسعى واشنطن إلى توجيه رسالة واضحة لدول أمريكا اللاتينية بضرورة الابتعاد عن المسارات التجارية والسياسية التي ترسمها بكين وموسكو، ولا سيما كوبا وكولومبيا وبنما والبرازيل.
ويعتقد هؤلاء المراقبون أيضاً بأن أحد دوافع الهجوم هو إبعاد خطر تمركز أسلحة نووية قرب البحر الكاريبي، القريب من السواحل الأمريكية، في ظل التعاون بين فنزويلا وكل من روسيا والصين.
لكن مجلة "إيكونومست" البريطانية كشفت أن مادورو خلال سنوات حكمه، أعاد تشكيل الدولة بحيث تصبح شبكة ولاءات متداخلة: جنرالات يسيطرون على قطاعات اقتصادية، أجهزة أمنية متغلغلة، وحتى جماعات مسلحة تعمل في الظل لصالح النظام.
الجيش الفنزويلي في هذا السيناريو قد ينقسم بين وحدات ملتزمة بالحكومة السابقة ووحدات مع واشنطن تحمي مصالحها الخاصة. ويؤدي هذا الانقسام إلى حالة استنزاف طويل الأمد مع احتمال ظهور مجموعات مسلحة مستقلة أو فصائل خارج السيطرة الرسمية.