الفيل الأبيض مشرعاً في البرلمان الكولومبي

هل تتخيل أن يؤدي نائب برلماني اليمين الدستورية مرتدياً زياً تنكرياً ضخماً؟ وسط قاعة تموج بالبدلات الفاخرة والأزياء الرسمية، وفي مشهد سياسي وُصف بالتاريخي وغير المسبوق، شق السيناتور الكولومبي الجديد "لويس كارلوس روا" طريقه بصعوبة بالغة عبر الممر المركزي الضيق للكونغرس؛ مرتدياً زيه ذي البطن البارز لشخصية "الفيل الأبيض" الافتراضية التي صممها وتنفذها بنفسه، ليتحول رمز السخرية الرقمية إلى مقعد تشريعي رسمي يواجه به أروقة السلطة وجهاً لوجه.

البداية المخفية

فكرة الاندماج والذوبان في الحشود لم تكن واردة إطلاقاً بالنسبة للنائب الجديد، الذي خاض غمار معركته الانتخابية كاملة تقريباً متخفياً خلف قناع الغموض.

وقبل ثلاثة أيام فقط من موعد الحسم الانتخابي، قرر لويس كارلوس روا إسقاط القناع كاشفاً عن هويته الحقيقية، ليتبيّن أنه الشخصية التي تقف خلف ظاهرة "الفيل الأبيض"؛ وهو مصطلح يُقصد به في الثقافة السياسية بأمريكا اللاتينية وعموماً، المشروعات العامة الضخمة (كالجسور، الطرق، المدارس، أو المستشفيات) التي تكبد خزينة الدولة أموالاً باهظة ثم يتم التخلي عنها، أو تُترك غير مكتملة لتصبح عديمة الجدوى ورمزاً صارخاً للفساد وسوء الإدارة، حيث تشير التقديرات الرسمية في كولومبيا وحدها إلى وجود أكثر من 1,400 مشروع معطل ومبدد لأموال عامة تفوق قيمتها مليارات الدولارات. هذا اللقب لازمه على مدار خمس سنوات قضاها في رصد وفضح هذه التجاوزات عبر منصات التواصل الاجتماعي.

الفضح الرقمي

لم تكن تلك الفيديوهات مجرد محتوى عابر، بل حصدت مئات الآلاف من المشاهدات وأثمرت عن استئناف العمل في عدة مشاريع متعثرة. وفي سياق اعتماده على استراتيجيات الاتصال الرقمي، استطاع روا تطويع منصات التواصل الاجتماعي والتنكر الرمزي ببراعة كأداة سياسية ناجحة؛ حيث اعتمدت حملته الانتخابية كلياً على الفيديوهات الرقمية عبر شبكات التواصل كـ تيك توك وإنستغرام دون أي مهرجانات حاشدة أو ملصقات تقليدية مكلفة، مستقطباً انتباه الجمهور الغاضب من النخبة التقليدية.

وقد أثمر هذا الظهور المبتكر عن حصد ما بين 121,000 إلى 124,000 صوت انتخابي غطت بلديات كولومبيا المختلفة، لتتكلل تلك الجهود بصعوده إلى البرلمان كأحد أبرز الوجوه المستقلة تحت مظلة حزب "التحالف الأخضر" وائتلافات اجتماعية.

ووصف لويس كارلوس روا تلك اللحظة التاريخية بقوله إن يوم التنصيب كان استثنائياً بكل المقاييس كونه حدثاً فريداً لم يشهده العالم من قبل، مؤكداً أنه لم يسبق لأي سيناتور في تاريخ العمل البرلماني أن تسلم منصبه وتولى مهامه التشريعية بمثل هذه الفريدة وغير التقليدية.

وفي مداخلة عبر مكالمة فيديو أجراها من ممرات الكونغرس بملامح مكشوفة وملابس رسمية أنيقة، قال روا: "كنت على وشك حضور جلسة عامة، لكنني لم أرتدِ الزي لأنه مخصص لمواقف ومناسبات محددة، فليس كل نقاش يحمل نفس القدر من الأهمية".

تتجذر حكاية هذه الشخصية الملهمة في عام 2019، حين كان روا – وهو مهندس ومبرمج تخرج من جامعة تكنولوجية دي بيريرا وعمل مديراً للحملات الرقمية ومستشاراً تشريعياً سابقاً، مما منحه خبرة تقنية ومؤسسية ساعدته في كشف خبايا الصفقات والبيانات الحكومية – موظفاً في بلدية بيريرا، وهي مدينة يقطنها نحو 500,000 نسمة وتبعد قرابة 205 أميال عن العاصمة بوغوتا. حينها، وقف شاهد عيان على ضغوط الإدارة المحلية المارسة على الموظفين لحشد الأصوات لصالح مرشح بعينه؛ فحسم أمره وقام بتسجيل تلك المحادثة الخطيرة وتسريبها للصحافة.

تعود أصول تلك الأزمة إلى ما يُعرف بـ (قضية كونتاكتو عام 2019)؛ فلم تكن مأساة روا وليدة الصدفة، بل تعود جذورها إلى كشفه نظامَ تسريب واستغلال غير قانوني لبيانات مئات الآلاف من المواطنين لأغراض انتخابية داخل بلدية بيريرا، وهو ما وثقته منظمات رقمية وحقوقية دولية (مثل منظمة كوريوم السويدية ومؤسسة كاريزما)، وأدى لاحقاً إلى عقوبات وإيقافات بحق شخصيات سياسية محلية، لكن روا دفع ثمنها باهظاً بالتهجير القسري والتهديد المستمر بالقتل؛ حيث اضطر لمغادرة المدينة قسراً بعد تعرضه لتخوفات صريحة.

لم يتوقف طموح روا عند حدود النفي، بل انتقل إلى مدينة ميديلين عازماً على مواصلة معركته في كشف الفساد، لكن هذه المرة بسرية تامة، مبرراً ذلك بالقول: "هنا في كولومبيا، إذا اخترت ألا تسير على النهج الذي يريده الفاسدون، فلن يكون لك مكان بيننا".

تواصل مع رسام لتصميم شكل الفيل، وكلّف خياطة بتنفيذ الزي بدقة، ليطلق أول مقطع فيديو له في نوفمبر 2021 مسلطاً الضوء على طريق معبد وغير مكتمل. توالت الفيديوهات تباعاً لتفضح العشرات من الجسور والمدارس والأنفاق والمستشفيات المهملة، وبصوت مشوه مميز رافق مشاهد "الفيل الأبيض" وهو يشق طريقه وسط الأوحال والمياه الآفنة التي تترك بقعها على زيه الأبيض وهو ما دفع روا للاحتفاظ ببدلة احتياطية باستمرار.

ويؤكد مردفاً: "الحرارة داخل الزي ترتفع إلى مستويات خانقة، غير أن الواجب يحتم علي الاستمرار، لأنني أصر على الوصول إلى تلك البقع المنسية التي تتجاهلها الدولة تماماً".

المعركة الكبرى

تولى روا تمويل جولاته بنفسه عبر عائدات العمل الحر، وبيع دمى "الفيل الأبيض" القطيفة، إلى جانب حملات التمويل الجماعي. وإزاء عدم استدامة هذه الموارد، اتخذ قراره بالترشح للانتخابات تحت مظلة ائتلافات مستقلة واجتماعية (مثل التحالف من أجل كولومبيا وحزب التحالف الاجتماعي المستقل في سباق اعتمد كلياً على شبكات التواصل الاجتماعي كـ تيك توك وإنستغرام، ودون استخدام الملصقات التقليدية أو الحشود المُموّلة) لضمان راتب برلماني يمكّنه من مواصلة دوره الرقابي بكفاءة عالية.

أعلن عن ترشحه في ديسمبر مع الاحتفاظ بسرية هويته حتى الرمق الأخير، موضحاً بالقول: "كشف وجهي قبل الموعد الانتخابي بثلاثة أيام فقط منحني الحيز الزمني الكافي لتأمين سلامتي الشخصية".

وقد حصد صوتاً انتخابياً واحداً على الأقل في كل بلدية تقريباً من أصل نحو 1,100 بلدية تتكون منها الخريطة الكولومبية، محققاً اختراقاً سياسياً غير مسبوق جعلته ظاهرة رقمية انتقلت من الشاشات إلى قلب التشريع.

من منظور المحلل السياسي غابرييل سيفوينتس، فإن نجاح "الفيل الأبيض" يعكس بوضوح اتجاهين متوازيين: الأول يتمثل في القوة المتنامية لوسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها الحاسم في العمليات الانتخابية، والثاني يعبر عن "حالة الاحتقان والملل المتصاعدة تجاه الممارسات السياسية التقليدية". ويوضح سيفوينتس: "يُنظر إلى المشهد السياسي باعتباره فضاءً يغلب عليه الفساد، ومن هذا المنطلق، فإن شخصيات ناشطة مثله، لا تنتمي لأحزاب سياسية تقليدية، تنجح في خطف أنظار قاعدة جماهيرية واسعة ومترابطة رقمياً".

يحمل أجندة تشريعية طموحة، أبرزها اقتراح قانون يلزم الإدارات المحلية بتخصيص ميزانيات مالية دقيقة ومستقلة لصيانة ومعالجة الحفر في الطرقات. ومن المقرر أن يحمل القانون اسم والده الراحل، داريو روا، الذي وافته المنية عام 2024 عن عمر يناهز 85 عاماً نتيجة سقوطه المأساوي في أحد الشوارع المليئة بالحفر.

وعلى الصعيد السياسي، أشار السيناتور إلى أنه أدلى بصوت فارغ في الجولة الحاسمة للانتخابات الرئاسية التي تنافس فيها السيناتور اليساري إيفان سيبيدا ومنافسه المحامي المليونير اليميني المتطرف أبيلاردو دي لا إسبيريلا، الفائز بالمنصب. وعلق قائلًا: "أنا لست ابن اليسار، أو اليمين، أو الوسط؛ أنا صوت مستقل بذرتي".

رغم ذلك، لم ينجُ السيناتور الجديد من نيران الانتقادات بعد تصويته الداعم لمقترح دي لا إسبيريلا الرامي إلى نقل مراسم تنصيب الرئيس من العاصمة بوغوتا إلى مدينة كالي على بعد 280 ميلاً.

وقد نجح المقترح في تمريره عبر مجلس الشيوخ بواقع 58 صوتاً مقابل 30. واتخذ المنتقدون موقفاً صارماً متسائلين كيف لسياسي بنى حملته على مناهضة إهدار المال العام أن يدعم قراراً بنقل مراسم التنصيب بكامل طاقمها ومئات ضيوفها لمجرد يوم واحد.

ورد روا موضحاً أن هدفه يكمن في إرسال "رسالة سياسية قوية تعكس حضور الدولة في منطقة عانت من التهميش التاريخي الطويل"، مؤكداً أن كلفة الحفل المنقول ستبقى أقل بكثير مقارنة بالنفقات التي شهدها تنصيب الرئيس اليساري السابق غوستافو بيترو عام 2022.

واختتم روا مؤكداً أنه سيحضر حفل تنصيب دي لا إسبيريلا مرتدياً زيه الشهير، مضيفاً: "طبيعة علاقتي به ستتمحور حصرياً حول الرقابة السياسية الصارمة، وستكون الندية ذاتها لو حالف الحظ المرشح الآخر