كيف تحوّل جبل إلى قنبلة مائية أطلقت تسونامي بارتفاع 481 متراً؟

في كارثةٍ تُعد من أكثر الكوارث الطبيعية غرابةً وعنفاً في العصر الحديث، تسبب انهيارٌ جبلي ضخم في ولاية ألاسكا بحدوث تسونامي هائل بلغ ارتفاعه نحو 481 متراً.

ووفقاً للباحثين، فإن الموجة العملاقة لم تكن ناجمة عن زلزال، بل عن انهيار صخري سببه تراجع نهر جليدي كان يدعم سفح الجبل منذ آلاف السنين.

وقعت الكارثة في مضيق تريسي آرم يوم 10 أغسطس 2025، عندما انهار جزء ضخم من أحد الجبال المطلة على المضيق البحري الضيق، لتندفع ملايين الأطنان من الصخور مباشرة إلى المياه. هذا الاصطدام العنيف أطلق موجة تسونامي ارتفعت إلى 481 متراً في أعلى نقطة، لتصبح ثاني أكبر موجة تسونامي مسجلة في التاريخ، وأكبر موجة لا تنتج عن نشاط زلزالي وفق ديلي جالاكسي.

ووفق دراسة عُرضت خلال اجتماع الاتحاد الأوروبي لعلوم الأرض ونُشرت في مجلة ساينس، فإن شكل المضيق الضيق ساهم في تضخيم قوة الموجة بشكل هائل. فعلى عكس أمواج التسونامي التي تتبدد طاقتها في المحيطات المفتوحة، حُوصرت هذه الموجة داخل قناة بحرية ضيقة، ما ركّز كامل طاقتها على جدران المضيق والمياه المحصورة داخله.

ولعدة أيام بعد الكارثة، بقيت المياه مضطربة فيما وصفه العلماء بـ«الموجة الصاعدة»، وهي حالة من التذبذب العنيف للمياه استمرت بعد الاصطدام الأولي.

وأظهرت صور الطائرات المسيّرة جبالاً جليديةً طافية وسط مياه هائجة، إضافة إلى واجهات صخرية كاملة اختفت من الجبل بعد الانهيار.

ورغم القوة التدميرية الهائلة للموجة، لم تُسجَّل أي وفيات، وهو ما وصفه العلماء بأنه "حظ استثنائي". وأوضح الباحث دانيال شوغار، المتخصص في الجيومورفولوجيا بجامعة كالغاري، أن توقيت الكارثة لعب الدور الأكبر في تجنب خسائر بشرية، إذ لم تكن هناك سفن سياحية أو تجمعات بشرية كبيرة داخل المضيق لحظة الانهيار.

ويعود السبب الرئيسي للكارثة إلى تراجع نهر ساوث سوير الجليدي، الذي كان يعمل لقرون كدعامة طبيعية تثبّت سفح الجبل. ففي ربيع عام 2025 وحده، تراجع النهر الجليدي بنحو 500 متر، ما أدى إلى فقدان الصخور للدعم الجليدي الذي كان يحافظ على استقرارها. ومع استمرار ذوبان الجليد، أصبحت المنحدرات أكثر هشاشة وعرضة للانهيار.

ويصف العلماء هذه الظاهرة باسم "إزالة الدعم"، حيث يؤدي انحسار الأنهار الجليدية إلى فقدان تأثيرها المثبّت للصخور المحيطة بها.

وتشير صور الأقمار الصناعية إلى أن هذه المشكلة لا تقتصر على تريسي آرم فقط، بل تظهر في عدة مناطق جبلية بألاسكا وجرينلاند، حيث تتحرك منحدرات كاملة فوق أنهار جليدية متراجعة.

ويرى الباحثون أن الكارثة تمثل مثالاً واضحاً على ما يُعرف بـ«المخاطر المتتالية» الناتجة عن تغير المناخ، أي تلك الأحداث التي تبدأ بتغير تدريجي وبطيء، لكنها تنتهي بكارثة مفاجئة وعنيفة. فبينما يُنظر عادةً إلى ذوبان الأنهار الجليدية باعتباره عملية بطيئة مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، تُظهر هذه الحادثة أن آثار الاحترار العالمي قد تتحول فجأة إلى كوارث جيولوجية مدمرة دون إنذار واضح.

وحذر العلماء من أن توسع البنية التحتية البشرية في المناطق القطبية، مثل مخيمات التعدين ومنشآت النفط والغاز والمستوطنات الجديدة، قد يزيد مستقبلاً من خطورة مثل هذه الكوارث. وأكدت عالمة الجليد لي ستيرنز من جامعة بنسلفانيا أن كارثة تريسي آرم تمثل "إشارة تحذير" للعالم، مشيرة إلى أن التغيرات المناخية البطيئة قد تقود إلى أحداث كارثية ضخمة خلال لحظات.