لفت مشجّع كونغولي الأنظار، خلال مباريات منتخب بلاده في بطولة الأمم الأفريقية المقامة في المغرب، بزيّه الملوّن ووقوفه بلا حراك طوال زمن المباراة، في مشهد تحسبه للوهلة الأولى طريفاً أو خارج السياق. غير أن هذا الوقوف الصامت كان فعلاً رمزياً مقصوداً أعاد استحضار اسم باتريس لومومبا، الزعيم الذي تحوّل إلى أيقونة للكرامة المهدورة والعدالة المؤجَّلة في الذاكرة الأفريقية.
من هذا المشهد البسيط، عاد سؤال ثقيل إلى الواجهة: لماذا يُغتال القادة الذين يحلمون بأوطانهم خارج الإرادة المفروضة عليهم؟ ويختصر المؤرخ البريطاني بازيل ديفيدسون، أحد أبرز دارسي التاريخ الأفريقي، هذه المأساة بقوله إن اغتيال لومومبا «لم يكن نهاية رجل، بل بداية حقبة كاملة من الإحباط المُنظَّم في أفريقيا»، وهي حقبة لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.
لم يكن باتريس لومومبا مجرد اسم في سجل قادة ما بعد الاستعمار، بل كان فكرة خطِرة في زمن لم يكن يسمح للأفارقة فيه أن يحلموا خارج السقف الذي رسمته القوى الاستعمارية. رجلٌ قال، في لحظة مفصلية من تاريخ أفريقيا، إن القارة قادرة على حكم نفسها، وإن الاستقلال لا يكتمل إلا بالسيادة السياسية والاقتصادية والكرامة الإنسانية الكاملة.
رسالة
خضعت الكونغو، لسنوات طويلة، لاستعمار بلجيكي وُصف من قبل مؤرخين بأنه من بين الأكثر وحشية في التاريخ الحديث، خصوصاً في عهد الملك ليوبولد الثاني، حيث قُتل ملايين الكونغوليين في نظام استغلال دموي للموارد، وفق دراسات تاريخية موثقة في الأرشيف البلجيكي وتقارير أكاديمية معتمدة.
في هذا السياق، برز لومومبا كسياسي شاب، مثقف، وخطيب مفوّه، قاد الحركة الوطنية الكونغولية، ودعا إلى استقلال حقيقي لا شكلي. وفي 30 يونيو 1960، نالت الكونغو استقلالها، ليُعيَّن لومومبا أول رئيس وزراء منتخب ديمقراطياً في تاريخ البلاد.
وفي خطاب الاستقلال الشهير، الذي وثّقته الأمم المتحدة وعدد من المؤرخين، وجّه لومومبا رسالة صادمة للغرب حين قال إن الاستقلال لم يكن «هبة من أحد»، بل ثمرة نضال ومعاناة، واضعاً الاستعمار أمام مسؤوليته الأخلاقية والتاريخية.
صدام
لم تمرّ أشهر على توليه المنصب حتى دخل لومومبا في صدام مباشر مع المصالح الغربية. فقد طالب بالسيطرة الوطنية على الثروات الكونغولية، وفي مقدمتها المعادن الاستراتيجية، ما أثار قلق بلجيكا وحلفائها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، في ذروة الحرب الباردة.
رأت واشنطن في لومومبا زعيماً «غير قابل للاحتواء»، وخشيت من انجذابه إلى المعسكر السوفييتي، وهو ما أكده لاحقاً مسؤولون أميركيون سابقون في شهادات تاريخية موثقة، من بينها تقارير لجنة «تشرش» في الكونغرس الأميركي خلال سبعينيات القرن الماضي.
في سبتمبر 1960، وقع انقلاب عسكري بدعم خارجي، أطاح بحكومة لومومبا، وسُلِّم لاحقاً إلى خصومه المحليين في إقليم كاتانغا، حيث اغتيل في يناير 1961.
ولأكثر من أربعة عقود، أحيطت تفاصيل اغتياله بالصمت والإنكار. لكن تحقيقات صحافية وأكاديمية لاحقة، إضافة إلى اعترافات رسمية، كشفت أن بلجيكا لعبت دوراً مباشراً في العملية، بمساندة استخباراتية أميركية بحسب لجنة التحقيق البرلمانية البلجيكية عام 2001.
ومن أكثر الوقائع صدمة، التي وثّقها مسؤول استخباراتي بلجيكي سابق، أن جثمان لومومبا قُطِّع وأُذيب في حمض الكبريتيك لإخفاء أي أثر مادي له، بينما احتُفظ ببعض أسنانه كتذكار، في ممارسة أعادت إلى الأذهان أساليب القرون المظلمة.
اعتذار
في عام 2002، أقرت الحكومة البلجيكية بـ«مسؤولية أخلاقية» عن اغتيال لومومبا، وقدمت اعتذاراً رسمياً. وفي عام 2022، أُعيدت أسنان لومومبا إلى الكونغو في مراسم رسمية، بعد صراع قانوني طويل، في خطوة رمزية لإغلاق الجرح الغائر لذلك الحلم الأفريقي.
لكن الاعتذار، كما يرى كثير من المؤرخين، لم يكن بحجم الجريمة، ولا بحجم الأثر الذي تركه اغتيال لومومبا على مسار أفريقيا السياسي، حيث تحوّل اغتياله إلى رسالة ردع لكل زعيم أفريقي يفكر بالخروج عن إرادة القوى الكبرى.
لم يُغتل باتريس لومومبا لأنه أخطأ، بل لأنه أصاب جوهر المشكلة. وبعد أكثر من ستة عقود، ترتفع يدٌ في مدرج لتذكّر بأنه لم يُهزم، بل سبق عصره قليلاً.

