الطمع في السلطة ينهش المبادئ ويلتهم الولاء الوطني
منذ نهاية الثمانينيات، يمثل تاريخ السودان قصة تراجيدية لدولة حُبست بين فكي الأيديولوجيا الظلامية والطموح السلطوي لجماعة معادية تماماً للديمقراطية.هذا البلد العربي الكبير في القارة الأفريقية عاش فترات متقطّعة من الحكم المدني الديمقراطي قبل أن تقطعها الانقلابات العسكرية، وآخرها الانقلاب الإخواني سنة 1989 الذي أطاح بالديمقراطية الثالثة بعد ثلاث سنوات من إقامتها عام 1986،
وكانت محاولة جادة للإصلاح البنيوي، قبل وصول جماعة الإخوان إلى السلطة عبر اختراق الجيش، ليدخل السودان بعدها في أطول حقبة حكم عسكري في تاريخه الحديث.
انقلاب 30 يونيو 1989 الذي حمل مسمى «ثورة الإنقاذ الوطني» شكّل نقطة تحوّل مفصلية لم تكن مجرد تغيير في هوية النظام، بل محاولة لإعادة هندسة الدولة السودانية وفق رؤية «الإخوان» وواجهتها «الجبهة القومية الإسلامية» بقيادة د. حسن الترابي. يرى مراقبون للشأن السوداني أن الانحدار بدأ منذ اللحظة التي قررت فيها الجماعة أن الطريق نحو السلطة يمر عبر «أخونة» الزي العسكري. وعسكريون، بينهم ضباط تقاعدوا في تلك الحقبة، اعتبروا أن مرسوم «التمكين» لم يكن مجرد إجراء إداري، بل عملية جراحية لاستئصال المهنية والولاء الوطني من جسد الجيش،
الولاء للجماعة لا الوطن
ووثّقوا إحالة ما يقارب 28 ضابطاً من كبار القادة إلى التقاعد في يوم واحد عقب الانقلاب، ليحل محلهم ضباط جرى اختيارهم بناءً على درجة «الولاء» للجماعة بديلاً للكفاءة الميدانية.صراع سلطويذلك المشروع الذي انطلق من أرضية إخوانية صلبة، سرعان ما تحوّل إلى درس عن كيفية تسبّب الصراع على السلطة وتسييس المؤسسات الوطنية في تبديد موارد السودان الهائلة، وتحويل «سلة غذاء العرب» إلى بلد ينهكه الفقر والصراع الداخلي.
تجربة «الإنقاذ» الإخوانية استندت إلى تحالف استراتيجي بين الترابي، كمنظّر أيديولوجي للجماعة، والعميد عمر البشير، كواجهة عسكرية لها. لكن في سنة 1999 وقع الانقسام الذي تسميه الأدبيات السودانية «المفاصلة»، في سياق ما عرف بـ «قرارات الرابع من رمضان».
تلك «المفاصلة» شكلت الذروة الدراماتيكية لصراع السلطة بين البشير والترابي، حيث بدأ الخلاف بينهما يتسرب إلى العلن عندما استشعر الأول، ومعه مجموعة من القيادات الإخوانية الشابة (التي عُرفت لاحقاً بـ«مجموعة القصر»)، طموح الترابي في الإمساك بخيوط السلطة من خلال ممارسة آلية رقابية عبر البرلمان، الأمر الذي اعتبره البشير «انقلاباً دستورياً» داخل النظام.وفي تلك اللحظة المفصلية،
اتخذ البشير خطوة استباقية مدعومة بالجيش والأجهزة الأمنية، معلناً حالة الطوارئ وحل البرلمان، وتعطيل المواد الدستورية التي كانت ستؤدي إلى تقليص صلاحياته.
انقلاب
لم يكن ما حدث مجرد إجراء إداري، بل انقلاب كامل داخل «بيت الإنقاذ»، أدى إلى انقسام الحركة إلى معسكرين؛ «المؤتمر الوطني» الحاكم بقيادة البشير، و«المؤتمر الشعبي» المعارض بقيادة الترابي.العسكري والأيديولوجيذلك الانقلاب مثّل-بنظر محللين سياسيين- لحظة «تغليب العسكري على الأيديولوجي»؛
فبينما كان الترابي يرى نفسه المعلّم والمُلهم الذي يملك الحق في رسم مسارات الدولة، اختار البشير وحلفاؤه الاحتفاظ بالسلطة الفعلية بعيداً عن وصاية التنظيم. وأدى ذلك الانشقاق إلى إضعاف الجبهة الداخلية للنظام، والزج بالترابي في السجن لسنوات تحت حكم تلاميذه السابقين، ما كشف عن عمق الأزمة الهيكلية في تجربة «الإخوان» التي انتهت بأكل أبنائها بعضهم بعضاً في سبيل الانفراد بالسلطة.
تفاعلات تلك «المفاصلة» استمرت، ففي ظل شعار «التمكين»، شرع النظام في تفكيك بنية الجيش السوداني، مستبدلاً عقيدة الوطن والدين بعقيدة الجماعة، وأُزيح آلاف الضباط المحترفين لتمهيد الطريق لكوادر تدين بالولاء للجماعة.
اختراق الجيش
ولم يتوقف الأمر عند اختراق الجيش، بل امتد لإنشاء قوى عسكرية موازية، ما زرع بذور تعدّد الجيوش وتلاشي مبدأ احتكار الدولة للسلاح.إغواء السلطةمن دلالات ذلك الانقلاب أن التحالف الأيديولوجي لم يصمد أمام إغواء السلطة المطلقة، وجاءت «المفاصلة» كدليل صارخ على أن صراع الكرسي يتجاوز المبادئ ووحدة المنهج، ليتحول النظام من «دولة المشروع» إلى «دولة الفرد والأجهزة الأمنية»، حيث اختار الجناح العسكري ومعه البراغماتيون البقاء في السلطة ولو على حساب تمزيق الحركة التي وضعتهم في قمة السلطة.
ويمكن تحليل ذلك الانقسام على أرضية إخوانية من زوايا عدة، حيث بدا أن الأرضية الأيديولوجية المشتركة لم تشكل حصناً منيعاً أمام غريزة السلطة، بل تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات بين «الأيديولوجيا» و«السلاح»، ما يعكس أزمة بنيوية في فكر «الإخوان» عند وصولهم إلى الحكم؛ حينها تصطدم «التراتبية التنظيمية» (السمع والطاعة ) مع «التراتبية العسكرية» وقوانين الدولة.
مصالح سياسية
في ذلك المشهد، تآكلت «القداسة» التنظيمية، فبمجرد أن تمكنت الحركة من مفاصل الدولة، بدأت المصالح تتقدم على المبادئ، والكوادر التي تربت على يد الترابي انقسمت؛ منهم من اختار «القصر» (السلطة والمال والمناصب)، ومنهم من اختار «المنشية» (منزل الترابي والولاء الفكري)،
وهذا يبرهن على أن المصالح السياسية قادرة على تفتيت أصلب التنظيمات العقائدية.وفي انقلابه على معلّمه، استخدم البشير الأدوات نفسها التي علمه إياها؛ المناورة، السرية، والضربة الاستباقية، أي أن «فقه الضرورة»، في هذه الحالة، طبّق ليس ضد الخصوم السياسيين، بل ضد الأب الروحي للتجربة.
لقد أثبتت واقعة «المفاصلة» أن الصراع على السلطة داخل جماعات الإسلام السياسي غالباً ما يكون أكثر شراسة من الصراع مع الخصوم وحتى الأعداء، لأن كل طرف يرى في الآخر «خائناً للمنهج» وليس مجرد منافس سياسي.هذا الصراع على السلطة وضع السودان وشعبه على سكة طويلة من خيبات الأمل وتراجع التنمية الذي ولّد مسلسلاً من الصعوبات التي توّجت بتفاقم الصراع الداخلي وصولاً لنسخته الأشد دموية، والمستمرة حتى هذه الأيام.
فشل التجربة
وعلى الرغم من الوعود البرّاقة بالرخاء الاقتصادي والاكتفاء الذاتي، فشلت تجربة «الإخوان» في فخ «اقتصاد الحرب» والفساد الهيكلي. فبينما يمتلك السودان ملايين الأفدنة من الأراضي الخصبة وموارد طبيعية متنوعة من نفط وذهب، تم توجيه ريع هذه الثروات لتمويل الآلة الأمنية وشراء الولاءات السياسية لضمان بقاء النظام.
لقد ورثت «الإنقاذ» بلداً غنياً بالموارد الطبيعية والأراضي الزراعية التي كانت تؤهّله ليجسّد فعلاً وصفه بـ«سلة غذاء العرب»، إلا أن التجربة واجهت إخفاقات اقتصادية هيكلية. فرغم استخراج النفط في أواخر التسعينيات، إلا أن عوائده لم تُوجه لتطوير القطاعات الإنتاجية مثل «مشروع الجزيرة» الزراعي الذي أصابه الشلل، بل استُنزفت في تمويل الحروب الأهلية المتعددة في الجنوب ودارفور والنيل الأزرق.
اقتصاد الحرب
هذا التوجه نحو «اقتصاد الحرب» أدى إلى إهمال الريف وتدهور البنية التحتية، وتحول السودان من بلد مصدر للمواد الخام والمنتجات الزراعية إلى بلد يعتمد بشكل متزايد على الاستيراد، مما فاقم الأزمات المعيشية.ويشير خبراء اقتصاد سودانيون إلى أن فشل تجربة «الإخوان» في إدارة موارد البلاد، يعود إلى تحويل ميزانية الدولة نحو «اقتصاد الحرب».
وكان من تجليات الصراع الداخلي انهيار «مشروع الجزيرة» الزراعي، الذي مثّل ركيزة للاقتصاد الوطني، نتيجة سوء الإدارة وفسادها، وتغليب الولاء على الكفاءة. وفي وقت كان المشروع ينهار، كانت الاستثمارات تتدفق نحو التصنيع الحربي وبناء أجهزة أمنية موازية. ويرى هؤلاء أن النظام السوداني وقتها تعامل مع الموارد الطبيعية كأدوات لشراء الولاءات السياسية وتمويل البقاء في السلطة، ما أدى إلى خروج السودان عملياً من سوق التصدير الزراعي العالمي وتحوله إلى بلد يعتمد على استيراد القمح. وبالنتيجة تحولت البلاد من مصدّر للغذاء إلى دولة تعيش تحت وطأة التضخم والديون والمآسي.
إرث من الحروب
تجربة «الإنقاذ» فشلت في موازنة طموحاتها الأيديولوجية مع واقع إدارة الدولة وتنمية مواردها. وبدلاً من استثمار الغنى الطبيعي للسودان، تركت التجربة خلفها إرثاً من الحروب الأهلية، ومؤسسات عسكرية مسيسة، واقتصاداً منهكاً، وانقساماً جغرافياً توج بانفصال الجنوب.
ويذهب سياسيون وباحثون في تاريخ حركات الإسلام السياسي إلى أن «فشل تجربة الإنقاذ» الإخوانية مرتبط بأزمة منهج، إذ إن تغليب المشروع الأيديولوجي الضيق على المشروع الوطني التنموي، خلق طبقة من «الرأسمالية الطفيلية» المرتبطة بالنظام، والتي انتفعت من موارد البلاد (الذهب والنفط) بينما ظل المواطن السوداني يواجه تدهوراً مستمراً في أمنه الغذائي، وهو ما شكل لاحقاً المحرك الأساسي للاحتجاجات الشعبية التي ركب المتنفذون بالجيش صهوتها وقطفوا ثمارها بعد أن أقصوا المدنيين من دائرة الحكم، ليظل السودان في دوامة الحرب الأهلية ومعاناة الفقر والتشرد واللجوء.
