حروب المياه.. هل تُسقط السدود عروشاً ودولاً؟

 الجغرافيا السياسية  لا تُقاس بالكيلومترات، بل بالمتر المكعب؛ حيث انتقلت الأنهار من كونها مجرد موارد طبيعية لتصبح "أصولاً سيادية" تُدار بعقلية عسكرية متكاملة.

"السيادة المائية" باتت تتقدم اليوم على السيادة الترابية، فمن يتحكم في "المحبس" يملك القدرة على خنق اقتصاد دول المصب دون إطلاق رصاصة واحدة.

نحن أمام عصر "الجيوسياسية المائية"، حيث تُستخدم السدود كأدوات لإعادة صياغة موازين القوى وإسقاط الأنظمة عبر سلاح العطش الصامت.

ووفقاً لما أورده تقرير "أطلس مخاطر المياه" الصادر عن معهد الموارد العالمية في أغسطس 2024، يعاني ربع سكان الكوكب من إجهاد مائي حاد، مما حول السدود في أحواض كبرى مثل النيل والميكونغ ودجلة والفرات إلى "أوراق ضغط سيادي" عليا.

وتؤكد بيانات البنك الدولي في تقريره المحدث "المياه والاقتصاد" المنشور في أبريل 2025، أن النزاعات على المياه العابرة للحدود قد تؤدي إلى تراجع النمو الاقتصادي بنسبة تصل إلى 6% في المناطق المتأثرة، نتيجة القرارات الأحادية التي تُغلب "القومية المائية" على مبادئ التعاون الدولي.

تعكس موازنات الدول اليوم صراعاً مالياً محموماً بين بناء السد كأداة ضغط، وبين التحلية كأداة صمود. فقد بلغت تكلفة بناء سد النهضة الإثيوبي حوالي 4.8 مليار دولار لتوليد 5150 ميغاوات، وهو ما يضع دول المصب تحت ضغط "التدفق السياسي".

وفي المقابل، نجد أن تركيا استثمرت عبر مشروع "GAP" ما يتجاوز 32 مليار دولار لبناء 22 سداً، مما منح أنقرة نفوذاً هيدرولوجياً واسعاً.

ويشير تقرير المنظمة الدولية للتقارير المالية الصادر في نوفمبر 2025 حول تداعيات البنية التحتية المائية، إلى أن دول المصب المتضررة مثل العراق تواجه خسائر زراعية تُقدر بـ 5 مليارات دولار سنوياً جراء هذه المشاريع.

وتتربع الصين حالياً على قمة الهرم المائي العالمي عبر سيطرتها على هضبة التبت، "برج المياه" في آسيا.

وبحسب تقرير معهد لوي للسياسة الدولية الصادر في يونيو 2025 تحت عنوان "سلاح المياه"، قامت بكين ببناء 11 سداً عملاقاً على نهر الميكونغ، مما كبد دول المصب خسائر في قطاع الصيد والزراعة تجاوزت 2.5 مليار دولار.

وداخلياً، تنفذ بكين أضخم مشروع تحويل مياه في التاريخ بتكلفة تجاوزت 62 مليار دولار، وفقاً للنشرة الإحصائية لوزارة الموارد المائية الصينية الصادرة في أكتوبر 2025، لضمان استقرار مراكزها الصناعية بعيداً عن أي ضغوط خارجية.

كما دخل الصراع مرحلة "التجسس الهيدرولوجي" عبر الأقمار الصناعية؛ فبحسب دراسة "الاستخبارات الجغرافية المكانية" لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الصادرة في يناير 2025، أصبحت مراقبة مستويات السدود جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي. وفي الغرب، تحولت المياه إلى "أصل مالي"، حيث تُتداول حقوق المياه في بورصة شيكاغو كعقود آجلة، وهو ما وصفه تقرير بلومبرغ الاقتصادية حول "نمو أسواق السلع المائية" في نوفمبر 2025، بتحول قطرة الماء من حق إنساني إلى سلعة للمضاربة الدولية بقيمة سوقية تجاوزت 150 مليار يورو في أوروبا وحدهـا.

ويؤكد تقرير المخاطر العالمية لعام 2026، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في 14 يناير 2025، أن أزمات الموارد الطبيعية والنزاعات المائية أصبحت المحرك الأول للصراعات الدولية، في ظل وجود 260 حوضاً مائياً يفتقر لاتفاقيات ملزمة بحسب بيانات منظمة الأمم المتحدة للمياه لعام 2025.

هذا الواقع دفع الدول المتضررة للاستثمار في "التحلية الخضراء" التي جذبت استثمارات بقيمة 18 مليار دولار وفقاً لتقرير"ترابط الطاقة والمياه: مستقبل التحلية الخضراء"  والصادر عن ا لوكالة الدولية للطاقة المتجددة في نوفمبر 2025، كخيار استراتيجي لفك الارتباط بدول المنبع.

ومع تزايد حدة التغير المناخي، انتقلت المواجهة إلى مربع "الذكاء الاصطناعي الهيدرولوجي"؛ فبحسب تقرير "آفاق التكنولوجيا المستدامة" الصادر عن الأمم المتحدة في ديسمبر 2025، ساهم الاعتماد على النماذج التنبؤية في تقليل هدر الموارد بنسبة 30%، مما عزز من مفهوم "البنية التحتية المائية المرنة" كأصل استثماري آمن ضمن الاقتصاد الأخضر.

إن الصراع السياسي الحديث لم يعد يدور حول الأيديولوجيا، بل حول البقاء. وإذا لم ينجح العالم في تفعيل القوانين الدولية المنظمة للمياه العابرة للحدود، فإن "حروب المياه" ستكون هي المحرك الرئيسي لإعادة رسم الخرائط السياسية، لتعلن نهاية عصر وبداية آخر محكوم بقوانين "التدفق" لا "الحدود"؛ فمن يملك المفتاح اليوم، هو من يحكم العالم غداً.