ولد فريد ديلوكا، رجل الأعمال الأمريكي المشهور، مؤسس سلسلة مطاعم «صب واي» للوجبات الجاهزة، في حي بروكلين بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1948.
هل لاحظت أن الاسم لا يبدو أنه أمريكي؟ نعم، فهو بالفعل ينتمي إلى أسرة إيطالية فقيرة هاجرت إلى هناك، ولذلك اضطر فريد وهو في سن العاشرة إلى جمع الزجاجات الفارغة من الشوارع وبيعها، ليكسب سنتات قليلة «سنتان فقط مقابل كل زجاجة»، تعين عائلته على متطلبات الحياة، ومن مدينة إلى أخرى كانت العائلة تنتقل بحثاً عن مستوى أفضل، وعمل فريد في توزيع الصحف على المنازل، ثم بائعاً في محل تجاري بمدينة نيويورك بعد انتقاله إليها، حتى استطاع الانتهاء من دراسته الثانوية في ظروف قاسية، وأراد أن يلتحق بكلية الطب، لكنه تلقى صدمة شديدة حين عرف أنه لا يمكنه سداد مصروفات الدراسة، فقرر أن يتوقف عن مشواره في التعليم، ويظل في عمله المتواضع راضياً براتبه الزهيد، وذات يوم جاء أحد أصدقائه القدامى لشراء شيء من المحل، واسمه بيتر، وكان يعمل في مجال الفيزياء النووية، واشتكى له فريد من سوء أحواله المادية، وضياع حلمه في دراسة الطب، فنصحه صديقه بفتح محل للوجبات السريعة، يمكنه من خلاله توفير بعض الأرباح، وإكمال دراسته بالجامعة، وتحقيق حلمه، وروى له قصة حقيقية عن رجل كان يعيش في ظروف شبيهة بظروفه، وصار بعد سنوات من رجال الأعمال الكبار، ويمتلك سلسلة فروع من محله.
ألف دولار
لم يكذّب فريد الخبر، وطلب من صديقه أن يقرضه ألف دولار، وبدأ مشروعه في محل ضيق صغير جداً، وجهزه بإمكانات متواضعة، وديكورات من تصميمه، وأطلق عليه في البداية اسم «بيت صب مارينز»؛ وهو مكون من مقطعين «بيت» اختصار اسم صديقه بيتر، و«صب مارينز» يعني «غواصة»، حيث كان يقدم الساندويتشات الإيطالية، التي تشبه الغواصات الحربية، ثم تم تغيير الاسم بعد ذلك إلى «صب واي».
في شهر أغسطس سنة 1965 افتتح المطعم، ووقف فريد وحده يبيع للزبائن، ويوزع عليهم المشروبات الغازية مجاناً بمناسبة الافتتاح، وفي نهاية اليوم أحصى فريد مبيعاته: 312 من الساندويتشات، بأكثر من 187 دولاراً (60 سنتاً للساندويتش الواحد)، واشتهر الاسم، وظل فريد يعمل وحده، لأنه لم يكن يستطيع دفع أجر عامل إضافي، لذلك كانت أمه تأتي في نهاية الأسبوع، لمساعدته على تلبية طلبات الزبائن.
عانى فريد في بداية مشروعه من صعوبات شديدة، كادت تجعله يغلق المحل، ويبحث عن عمل آخر، لكنه تذكر أنه مدين لصديقه بمبلغ 1550 دولاراً؛ حيث احتاج فريد بعد افتتاح المطعم بأيام إلى شراء حوض مخصص للمطاعم، فلم يجد أمامه سوى صديقه بيتر، الذي أقرضه المبلغ، ونصحه بعدم الاستسلام، واستجاب فريد لنصيحة صديقه المخلص مرة أخرى، حتى استطاع فتح فرع ثانٍ له، وبدأت الأرباح تتدفق، فافتتح فرعاً ثالثاً، حتى صار يملك 33 فرعاً خلال 10 سنوات، وحقق ما هو أهم من المال؛ شهرة اسم «صب واي»، الذي صار علامة تجارية تضاهي علامات أخرى مشهورة، لا سيما بعد أن بدأ يقدم طعاماً صحياً، لا يحتوي على كميات كبيرة من الدهون والزيوت الضارة، ويساعد على خفض الوزن، فاستطاع بذلك كسب ثقة الجمهور.
قفزة كبيرة
تلك القفزة الكبيرة للمشروع جعلت فريد يفكر في بيع حق امتياز تشغيلها بنظام «فرانشايز» لبعض رجال الأعمال والمؤسسات، وقبل حلول الثمانينيات من القرن الماضي وصل عدد فروعه إلى أكثر من 100، وخلال التسعينيات انتشر الاسم حول العالم، إلى أن بلغ عدد سلسلة فروعه أكثر من 40 ألف فرع؛ قُدرت عائداتها السنوية لفريد والمنتفعين بحق الامتياز بـ 9 مليارات دولار، أما ثروة فريد نفسه فكانت قبل وفاته في سنة 2015، حسب تصنيف مليارديرات أمريكا حينذاك، 2.5 مليار دولار.
وكان أحد الصحفيين قد سأله قبيل وفاته إثر إصابته باللوكيميا: هل ما زلت تريد الالتحاق بكلية الطب كما كنت تتمنى طوال حياتك؟ فأجابه قائلاً: لقد درست الحقوق، وأفادتني دراستي في فهم القوانين، والتغلب على مشكلات كثيرة قابلتها في حياتي العملية، وأنا راضٍ بما حققته، وعندما أتذكر بدايتي والفقر الشديد، الذي عشته أنا وعائلتي أدرك أن يد القدر اختارت لي الطريق الأنسب، وأن الحياة هي الجامعة الكبرى التي يجب أن نتعلم منها.
