واشنطن وموسكو.. هل تتشكل صفقة كبرى خلف تخفيف العقوبات؟

قد لا تكون العقوبات هي الورقة الأقوى على طاولة دونالد ترامب، بل القدرة على تعليقها وتحويلها إلى أداة للمساومة السياسية.

ويأتي قرار الرئيس الأمريكي، إعفاء مجموعة إضافية من العقوبات المتعلقة بمبيعات الوقود الأحفوري الروسي ليطرح سؤالاً يتجاوز حسابات الطاقة: هل بدأ ترامب تمهيد الطريق لصفقة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، تُبادَل فيها التسهيلات الاقتصادية بتنازلات جيوسياسية، أم أن الخطوة مجرد مناورة لاختبار النوايا وانتزاع أكبر قدر من المكاسب بأقل التزامات ممكنة؟

تعززت هذه التساؤلات مع قرار ترامب تعليق تطبيق مجموعة من الإجراءات العقابية التي كان مقرراً دخولها حيز التنفيذ، بالتوازي مع اتفاق لاستيراد الديزل الروسي، في خطوة تستهدف زيادة المعروض وتخفيف ضغوط أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة.

وجاء لقاء المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف مع الرئيس بوتين، في إطار مساعٍ لتحريك المفاوضات بشأن أوكرانيا، وتطرقا إلى نتائج الجولة التشاورية الأخيرة التي أجراها ويتكوف في النرويج مع مسؤولين أوروبيين وأوكرانيين.

ويرى محللون أن ترامب يراهن على مقايضة المصالح الاقتصادية بالتنازلات السياسية، مستفيداً من حاجة موسكو إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية، ورغبته في تحقيق اختراق دبلوماسي ينهي الحرب أو يحد من تداعياتها.

لكن موسكو قد تنظر إلى الخطوات الأمريكية باعتبارها فرصة لاستعادة جزء من مصالحها التجارية وتقليص عزلتها، دون التخلي عن مطالبها في أوكرانيا.. وهنا تكمن المعضلة، إذ إن تخفيف العقوبات لا يضمن تغيير الحسابات الروسية، بل قد يمنح الكرملين مكاسب مسبقة من دون مقابل واضح، خصوصاً مع استمرار الخلافات بشأن الأراضي الأوكرانية والضمانات الأمنية الأوروبية.


3 سيناريوهات
ووفق محللين، تتحدد مآلات التحرك الأمريكي عبر 3 سيناريوهات رئيسية: صفقة تدريجية مشروطة تربط تخفيف العقوبات بخطوات روسية قابلة للتحقق نحو وقف القتال؛ أو تفاهم اقتصادي محدود يستأنف التعاون في الطاقة دون تسوية الخلافات الاستراتيجية، أو انتكاسة تعيد التصعيد إذا رفضت موسكو تقديم تنازلات، أو تعثرت المفاوضات، أو تصاعدت المعارضة الأمريكية والأوروبية.

ويظل الموقف الأوروبي والأوكراني عاملاً حاسماً في نجاح أي اتفاق، إذ قد يؤدي تجاوز مصالح كييف أو إضعاف التنسيق الغربي إلى تعقيد التسوية بدلاً من تسريعها.. وحتى اللحظة لا توجد مؤشرات كافية للجزم بوجود صفقة مكتملة بين واشنطن وموسكو، لكن التحركات المتزامنة توحي باختبار متبادل للنوايا.


تفاهم آني
ومن واشنطن، ترى مرح البقاعي، الباحثة الأكاديمية والمستشارة السياسية في العلاقات الدولية، أن الإعفاءات الأمريكية من العقوبات المفروضة على صادرات الديزل الروسي تصب في مصلحة الولايات المتحدة بالدرجة الأولى.

وتوضح أن شحنات الديزل التي ستصل إلى الولايات المتحدة يمكن أن تسهم في خفض أسعار الوقود التي يحتاج إليها المواطن الأمريكي، وهو ما قد ينعكس بدوره على أسعار المواد الغذائية.

وتشير البقاعي إلى أن استقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مبعوث الرئيس الأمريكي، ستيف ويتكوف، بحفاوة، وموافقته المباشرة على إرسال شحنات الديزل إلى الولايات المتحدة، التي أصبحت جاهزة للتحرك نحو وجهتها، يعكسان تجاوباً روسياً مع هذا التوجه، ويحققان مصالح اقتصادية للطرفين، وإن اختلفت دوافع كل منهما.

وتؤكد البقاعي أنها لا ترى في هذه الخطوة ملامح صفقة طويلة الأمد بين واشنطن وموسكو، بل تعتبرها تفاهماً آنياً يهدف إلى تخفيف الضغوط المرتبطة بأسعار الوقود والمواد الغذائية داخل الولايات المتحدة.

وترى أن هذه الخطوة تحقق في المقابل مكسباً مماثلاً لبوتين، الذي سيتمكن من تصدير الديزل إلى السوق الأمريكية، فضلاً عن أنه قد ينظر إلى هذه التطورات باعتبارها مؤشراً على انفراج في العلاقات مع واشنطن، بعد فترة من التوتر والضغوط والعقوبات.


صفقة مرتقبة
ومن موسكو، يقول د. ديميتري بريجع، مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية: إن هناك صفقة مرتقبة بين واشنطن وموسكو، مرجحاً أن تكون اقتصادية بالدرجة الأولى، لكنها ترتبط بملفات سياسية وجيوسياسية تتجاوز حدود التعاون التجاري.

ويوضح بريجع أن التفاهمات المحتملة قد تشمل ملف الأراضي في شرق أوكرانيا، ومستقبل العلاقات الاقتصادية بين البلدين، إلى جانب التعاون في مجالات البحث والتنقيب عن النفط، والتعامل مع الأصول الروسية المجمدة التي تقدر بنحو 300 مليار دولار، وما يمثله هذا الملف من أهمية في أي تسوية مقبلة.

ويشير إلى أن الصفقة المحتملة قد تمتد إلى معالجة الوضع الاقتصادي الروسي، وإعادة دمج موسكو في الاقتصاد الدولي، من خلال تخفيف القيود المفروضة عليها ورفع العقوبات عن البنوك الروسية الكبرى، بما يتيح لها استعادة جانب من تعاملاتها المالية والتجارية مع الخارج.


تكتيك براغماتي
بدوره، يرى الباحث السياسي مرتضى سعد، أن قرار ترامب تعليق العقوبات والرسوم الجمركية لا يمكن قراءته باعتباره مناورة اقتصادية عابرة، بل يمثل تكتيكاً براغماتياً لإعادة ترتيب أوراق اللعبة الدولية، ويحمل مؤشرات على تفاهمات غير معلنة بين واشنطن وموسكو قد تتجاوز الحرب الأوكرانية إلى إعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى وتخفيف حدة الانقسامات الجيوسياسية.


ويحدد سعد 3 سيناريوهات لمآلات هذه الخطوة؛ أولها التهدئة المشروطة، عبر مقايضة المرونة الاقتصادية الأمريكية بتنازلات روسية أمنية وميدانية تسهم في تحريك الملفات العالقة.. والثاني المماطلة التكتيكية، من خلال استغلال التسهيلات المؤقتة لإعادة ترتيب المصالح الاقتصادية وسلاسل الإمداد، دون التزام سياسي طويل الأمد.. أما السيناريو الثالث، فهو الارتداد نحو التصعيد، إذا أخفقت موسكو في تقديم مقابل ملموس، وتصاعدت الضغوط الداخلية والمؤسسية في الولايات المتحدة باتجاه تشديد العقوبات مجدداً.