بلا صواريخ ولا متفجرات.. سلاح مرعب بـ 10 أضعاف سرعة الصوت

تتجدد المخاوف من سباق التسلح في الفضاء مع عودة الاهتمام بمشروع عسكري أمريكي طموح يقوم على إسقاط قضبان معدنية ضخمة من الأقمار الصناعية باتجاه أهداف أرضية، مستفيدا من السرعات الهائلة والطاقة الحركية لإحداث دمار كبير دون الحاجة إلى استخدام المتفجرات.

ويستند المشروع، المعروف باسم "Rods from God"، إلى فكرة وضع مقذوفات مصنوعة من معدن التنغستن في المدار الفضائي، ثم إطلاقها باتجاه أهداف محددة على سطح الأرض، لتخترق الغلاف الجوي بسرعة تصل نظريا إلى نحو 10 أضعاف سرعة الصوت، وتدمر أهدافها بفعل قوة الاصطدام.

وبحسب تقرير نشره موقع wearethemighty فإن الفكرة تعود إلى خمسينات القرن الماضي، عندما طرح الكاتب الأمريكي جيري بورنيل تصورا لقمر صناعي قادر على إطلاق قضبان معدنية من الفضاء.

وانتقلت الفكرة لاحقا إلى دوائر البحث والتطوير التابعة للقوات الجوية الأمريكية في مطلع الألفية الجديدة، كما وردت في وثيقة للعقيدة العسكرية الأمريكية عام 2003.

مقذوفات معدنية بسرعة فرط صوتية

يقوم التصور العسكري للمشروع على استخدام قضبان من معدن التنغستن، يصل طول الواحدة منها إلى نحو 6 أمتار، وقطرها إلى 30 سنتيمترا، نظرا إلى كثافته العالية وقدرته على تحمل الظروف القاسية.

وتُطلق هذه القضبان من المدار دون محركات دفع، لتكتسب سرعة هائلة أثناء سقوطها نحو الأرض، قد تصل إلى 10 ماخ، ما يسمح لها بتحويل طاقتها الحركية إلى قوة تدميرية كبيرة عند الاصطدام، حتى دون احتوائها على أي مواد متفجرة.

وتكمن الأهمية العسكرية لهذه التقنية في صعوبة رصد المقذوفات أو اعتراضها، إذ لا تعتمد على إطلاق صاروخ تقليدي يمكن لأنظمة الإنذار المبكر اكتشافه من خلال بصمته الحرارية، كما أن سرعتها العالية تجعل التصدي لها أكثر تعقيدا.

تكلفة باهظة وعقبات تقنية

رغم الإمكانات العسكرية التي تبدو جذابة في هذا التصور، فإن المشروع اصطدم بعقبات اقتصادية وتقنية حالت دون انتقاله إلى مرحلة التنفيذ.

ويتمثل أبرز التحديات في التكلفة الضخمة اللازمة لنقل كميات كبيرة من التنغستن إلى المدار، فضلا عن الحاجة إلى نشر شبكة واسعة من الأقمار الصناعية لضمان تغطية مناطق مختلفة من العالم وإتاحة استهدافها.

كما يتطلب إصابة الأهداف بدقة تزويد المقذوفات بأنظمة توجيه متطورة، شبيهة بتلك المستخدمة في المركبات العائدة إلى الغلاف الجوي، وهو ما يزيد الوزن والتعقيد التقني للمنظومة.

وتشير دراسة نُشرت عام 2024 إلى أن تكلفة وضع مقذوف واحد بطول 8 أمتار وقطر 40 سنتيمترا في مدار أرضي منخفض قد تصل إلى 82 مليون دولار على الأقل.

ولم تقتصر العقبات على التكلفة، إذ أظهرت المحاكاة الواردة في الدراسة أن التأثير التدميري للمقذوف عند وصوله إلى الأرض سيكون محدودا نسبيا، ولا يقترب من القوة التدميرية للأسلحة النووية.

كذلك، لا يمكن لهذا السلاح استهداف أي موقع على الأرض بصورة فورية، إذ يتطلب الأمر انتظار مرور القمر الصناعي في مدار يسمح بتنفيذ عملية الإطلاق باتجاه الهدف المحدد.

هل يصبح تسليح الفضاء واقعا عسكريا؟

لا توجد حتى الآن برامج عسكرية معلنة تؤكد إحياء مشروع المقذوفات المعدنية الفضائية، إلا أن التطورات التكنولوجية قد تجعل الفكرة أقل استبعادا خلال السنوات المقبلة.

فانخفاض تكاليف الإطلاق الفضائي، والتوسع المتسارع في أعداد الأقمار الصناعية، وتطور أنظمة التوجيه، إلى جانب التقدم في تقنيات المركبات الفرط صوتية، كلها عوامل تعيد فتح النقاش حول إمكانات استخدام الفضاء في العمليات العسكرية.

وتواصل دول عدة تطوير قدراتها في هذا المجال، من بينها فرنسا التي تعمل على مركبة "V-Max" الفرط صوتية، وأجرت أول اختبار لها عام 2023.

وفي الوقت نفسه، تتزايد المخاوف بشأن عسكرة الفضاء، خصوصا بعد إعلان الولايات المتحدة امتلاكها أسلحة في المدار دون الكشف عن طبيعتها أو تفاصيلها، وهو ما أثار ردود فعل من روسيا والصين.

ويحذر هذا التطور من احتمال دخول القوى الكبرى في سباق تسلح فضائي جديد، قد يضع الاتفاقيات الدولية المنظمة لاستخدام الفضاء أمام تحديات متزايدة.

وبينما لا يزال استخدام القضبان المعدنية المنطلقة من الأقمار الصناعية مجرد تصور لم يتحول إلى سلاح عملي، فإن الصواريخ الباليستية الحديثة، تؤكد أن الاعتماد على السرعات الهائلة والطاقة الحركية لم يعد مجرد فكرة في الخيال العلمي، بل أصبح جزءا من تطور القدرات العسكرية المعاصرة.