يخرج من جيبك.. جاسوس وزنه 70 غراماً يقتحم ساحات الحرب


تجمع طائرة "بلاك هورنت" (Black Hornet) المسيّرة بين الحجم متناهي الصغر والتقنيات العسكرية المتقدمة، إذ لا يتجاوز وزنها 70 غراما، ويمكن وضعها داخل الجيب، فيما يصل سعر الوحدة الواحدة إلى نحو 28 ألف دولار، لتصبح واحدة من أبرز أدوات الاستطلاع العسكري قصير المدى.

ومنذ أوائل العقد الثاني من القرن الحالي، توفر هذه الطائرة للقوات العسكرية قدرات استطلاع جوي متقدمة، تتيح مراقبة ساحة المعركة واكتشاف التهديدات المحتملة، دون تعريض الجنود للخطر، كما تتميز بقدرتها على التسلل بهدوء إلى المناطق المستهدفة، ما يجعل رصدها أمرا بالغ الصعوبة.

قدرات تقنية متقدمة في حجم صغير

بدأ الجيش الأمريكي اختبار طائرة "بلاك هورنت" عام 2016، قبل إدخالها إلى الخدمة عام 2018، وشهدت الطائرة منذ ذلك الحين عدة تحديثات، كان أحدثها إصدار "بلاك هورنت 4" الذي كُشف عنه عام 2023.

ويبلغ وزن الإصدار الأحدث نحو 70 غراما، ويمكن تجهيزه للإقلاع خلال أقل من 20 ثانية، كما زُوّد بكاميرا بدقة 12 ميجابكسل، إلى جانب مستشعر تصوير حراري عالي الدقة يتيح التقاط الصور وتسجيل الفيديو في ظروف الإضاءة المنخفضة.

وتصل سرعة الطائرة إلى 10 أمتار في الثانية، بينما تتميز مروحتها الواحدة بانخفاض مستوى الضجيج الناتج عنها، الأمر الذي يمنح مشغّلها فرصة أكبر لتنفيذ مهام الاستطلاع دون لفت الانتباه.

وتعمل الطائرة من خلال وحدة تحكم يدوية، مع نقل الصور مباشرة إلى جهاز لوحي، كما تستطيع التحليق لمدة تصل إلى 30 دقيقة، وقطع مسافة لا تقل عن كيلومترين بعيدا عن المشغّل، وتضم كذلك تقنية لتجنب العوائق، مع قدرة على العمل في الأجواء الممطرة وتحمل رياح تصل سرعتها إلى 25 عقدة.

تتيح هذه الطائرات للقوات العسكرية تنفيذ مهام استطلاع دقيقة، مثل مراقبة المناطق الواقعة خلف المباني والزوايا، وفحص المواقع من الداخل قبل دخول الجنود إليها، وهو ما يساعد على تقليل مخاطر الكمائن والهجمات المفاجئة.

لماذا يصل سعرها إلى 28 ألف دولار؟

رغم حجمها المحدود، فإن تصنيع "بلاك هورنت" يتطلب دمج مجموعة من التقنيات المتقدمة في مساحة صغيرة للغاية، تشمل الكاميرات وأجهزة الاستشعار وأنظمة الاتصالات والتحكم في الطيران.

كما ترتبط تكلفتها بمتطلبات الاستخدام العسكري، التي تشمل الاختبارات الفنية، وضمان الموثوقية، وتطوير البرمجيات، والصيانة، وتدريب المشغّلين، وهي عوامل ترفع التكلفة النهائية للمنظومة.

وطورت الشركة النرويجية "Prox Dynamics" الطائرة في الأصل، قبل أن تستحوذ عليها شركة "FLIR Systems" الأمريكية المتخصصة في تكنولوجيا الدفاع عام 2016، في صفقة بلغت قيمتها 134 مليون دولار.

وتتولى شركة "Teledyne FLIR Defense" حاليا تصنيع الإصدار الأحدث "Black Hornet 4" في النرويج.

ولا يقتصر تقييم أهمية الطائرة على سعر شرائها، إذ تتجاوز قيمتها التكلفة المالية للمعدات نفسها، فمساهمتها في اكتشاف التهديدات قبل دخول الجنود إلى المباني أو عبور المناطق المكشوفة قد تساعد على تجنب خسائر بشرية كبيرة.

تكامل مع الروبوتات العسكرية

في سياق تطور أنظمة القتال غير المأهولة، بدأت "بلاك هورنت" العمل بالتكامل مع الروبوتات العسكرية، إذ دمجت شركة FLIR الطائرة مع الروبوت الأرضي "FirstLook 125"، بما يسمح بتنسيق عمليات الاستطلاع من الجو والبر.

ويعكس هذا التكامل توجها متزايدا نحو استخدام منظومات روبوتية متعاونة، تجمع بين قدرات المراقبة الجوية والاستطلاع الأرضي، لتوفير صورة أكثر شمولا عن البيئة العملياتية.

هل تحافظ الطائرة على أهميتها مستقبلا؟

مع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات العسكرية، تبرز تساؤلات بشأن مستقبل طائرات الاستطلاع الصغيرة، ومدى استمرار الحاجة إليها مع قدرة الروبوتات على جمع المعلومات وتحليل البيئة المحيطة بصورة مستقلة.

وتحتفظ الطائرات المسيّرة الصغيرة بميزة يصعب الاستغناء عنها، تتمثل في قدرتها على مراقبة المناطق من الأعلى، وتجاوز العوائق التي قد تحد من مجال رؤية الروبوتات الأرضية.

وفي المقابل، قد تتجه الأنظمة العسكرية المستقبلية إلى تزويد الروبوتات بطائرات استطلاع أصغر حجما، أو مستشعرات أكثر تطورا، بما يقلل الاعتماد على الطائرات المستقلة.

ومن المحتمل أيضا أن تصبح إصدارات مستقبلية من "بلاك هورنت" جزءا من منظومات الجنود الآليين، أو شبكات متكاملة تضم أجهزة استشعار وروبوتات وطائرات مسيّرة تعمل معا.

وحتى ذلك الحين، تواصل "بلاك هورنت" أداء دورها بوصفها عينا جوية إضافية للقوات العسكرية، توفر معلومات ميدانية سريعة ودقيقة، وتساعد على تعزيز سلامة الجنود ودعم تنفيذ المهام القتالية.