لم تكن المدمرة الأمريكية "ويليام دي. بورتر" سفينة حربية عادية في سجلات الحرب العالمية الثانية، فقد ارتبط اسمها بسلسلة من الحوادث غير المألوفة، بدأت بأخطاء ارتكبها طاقمها في عرض البحر، ووصلت إلى إطلاق طوربيد باتجاه البارجة التي كانت ترافقها، قبل أن تنتهي رحلتها بالغرق في المحيط الهادئ عام 1945.
وبحسب تقرير نشره موقع SlashGear، بدأت متاعب المدمرة في 12 نوفمبر 1943، عندما غادرت ميناء نورفولك بولاية فرجينيا الأمريكية، إذ أخفق طاقمها في رفع المرساة على النحو الصحيح، ما أدى إلى اصطدامها بسطح مدمرة أخرى، وتسبب في اقتلاع أجزاء من الدرابزين وقوارب النجاة.
ولم تمضِ سوى أيام قليلة حتى وقعت حادثة أخرى، فقد سقطت عبوة أعماق من السفينة إلى البحر وانفجرت تحت الماء، بعدما نسي الطاقم تأمينها بصورة صحيحة.
موجة عاتية تزيد المتاعب
تواصلت سلسلة الحوادث عندما ضربت موجة ضخمة المدمرة، وألقت بأحد البحارة إلى المياه، حيث لقي حتفه، كما تسببت الموجة في غمر إحدى غلايات السفينة بالماء، ما اضطرها إلى تخفيض سرعتها لإجراء الإصلاحات.
وأبلغ الطاقم البارجة الأمريكية "آيوا" بما حدث عبر اللاسلكي، منتهكا قواعد الصمت اللاسلكي، الأمر الذي أثار غضب الأدميرال إرنست ج. كينغ، رئيس العمليات البحرية الأمريكية آنذاك.
لكن الحادثة الأكثر خطورة وقعت خلال تدريب على إطلاق الطوربيدات، كان من المفترض أن يحاكي استهداف البارجة "آيوا" من دون إطلاق طوربيد فعلي، غير أن خطأ في إجراءات التدريب أدى إلى إطلاق طوربيد حقيقي باتجاه البارجة.
حاول قائد المدمرة، الملازم أول ويلفريد والتر، تحذير "آيوا" باستخدام مصباح الإشارات، لكن التحذير لم يصل بالطريقة المطلوبة، ما دفعه إلى كسر الصمت اللاسلكي مجددا، وتمكنت البارجة من تفادي الطوربيد، لتنجو من إصابة محتملة كانت عواقبها قد تكون كارثية.
تحقيق وعقوبة لم تُنفذ
في أعقاب الحادثة، أُرسلت "ويليام دي. بورتر" إلى برمودا، حيث فتحت البحرية الأمريكية تحقيقا لكشف ملابسات ما جرى.
وخلص التحقيق إلى أن كبير خبراء الطوربيدات، لاوتون داوسون، نسي إزالة صاعق الإشعال من الطوربيد، ما تسبب في إطلاقه فعليا.
وصدر بحقه حكم بالسجن مع الأشغال الشاقة لمدة 14 عاما، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي ويعفيه من تنفيذ العقوبة.
وعلى الرغم من هذه البداية المضطربة، واصلت المدمرة خدمتها العسكرية، وانضمت إلى أسطول المحيط الهادئ، ووصلت إلى داتش هاربور في ألاسكا في 29 ديسمبر 1943.
قذيفة في حديقة قائد القاعدة
لم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد، ففي الأول من يناير 1944، أطلق أحد البحارة قذيفة من أحد مدافع السفينة عيار 5 بوصات، لتسقط قذيفة تزن نحو 25 كيلوغراما في الفناء الخلفي لمنزل قائد القاعدة، أثناء إقامة حفل بمناسبة رأس السنة، ولم تسفر الحادثة عن إصابات.
وخلال الأشهر الثمانية التالية، نفذت المدمرة دوريات في المحيط الهادئ، وشاركت في عمليات عسكرية قرب جزر الكوريل، قبل أن تنضم إلى المعارك في خليج ليتي.
وفي عام 1945، شاركت في معركة أوكيناوا، حيث تولت حماية قوات مشاة البحرية الأمريكية أثناء إنزالها على الشاطئ، وأسهمت في الدفاع الجوي، وتمكنت خلال المعارك من إسقاط ست طائرات معادية، كما قصفت أهدافا برية.
وبدا أن السفينة بدأت تتجاوز سجلها الحافل بالمصائب، لكن فصلها الأخير كان على وشك أن يُكتب.
ضربة أخيرة تنهي رحلة المدمرة
في 10 يونيو 1945، هاجمت قاذفة يابانية انقضاضية من طراز "أيتشي D3A1" المدمرة الأمريكية، ونجحت "بورتر" في المناورة لتفادي الطائرة، التي سقطت في البحر، لكنها واصلت اندفاعها ومرت إلى أسفل المدمرة قبل أن تنفجر.
وأدى الانفجار إلى رفع السفينة عن سطح الماء وإلحاق أضرار جسيمة بها، ما دفع الطاقم إلى محاولة إنقاذها لساعات، ومع تعذر السيطرة على الأضرار، صدر القرار بمغادرتها، واضطر جميع أفراد الطاقم إلى تركها تواجه مصيرها في أعماق المحيط.
وهكذا، انتهت رحلة "ويليام دي. بورتر" بالغرق بعد سلسلة من الحوادث التي جعلتها واحدة من أكثر المدمرات الأمريكية شهرة بسوء الحظ خلال الحرب العالمية الثانية، ورغم خسارة السفينة، حملت نهايتها مفارقة لافتة، نجا جميع أفراد طاقمها من الغرق، لتبقى قصتها مزيجا من الأخطاء البشرية والحوادث الاستثنائية والمصادفات القاتلة.

