لماذا تضيء المقاتلات العسكرية بشرائط خضراء ليلاً؟

تثير الشرائط الخضراء المتوهجة التي تظهر على جسم وذيل الطائرات المقاتلة أثناء تحليقها ليلاً فضول كثيرين، إذ تبدو للوهلة الأولى وكأنها عناصر زخرفية أو تجهيزات إلكترونية متطورة، إلا أن الحقيقة مختلفة تماماً، فهذه الأشرطة، المعروفة باسم أضواء التشكيل أو "Slime Lights"، تمثل أحد أهم أنظمة السلامة في الطيران العسكري، إذ تساعد الطيارين على الحفاظ على مواقعهم داخل التشكيل الجوي دون كشف الطائرات أمام الخصوم.

وتحمل جميع الطائرات، المدنية والعسكرية، أضواء ملاحة حمراء وخضراء وبيضاء تستخدم لتحديد اتجاه الطائرة وموقعها في الأجواء، بما يضمن سلامة الحركة الجوية، غير أن الطائرات العسكرية تحتاج إلى وسائل إضافية تتناسب مع طبيعة المهام القتالية، خاصة أثناء العمليات الليلية التي تتطلب التحليق في مجموعات وعلى ارتفاعات وسرعات كبيرة.

ويرجع تطوير نظام أضواء التشكيل إلى عام 1955، في ذروة الحرب الباردة، عندما سعت القوات الجوية الأمريكية إلى إيجاد وسيلة تسمح للطيارين برؤية الطائرات الصديقة خلال الطيران الليلي، دون استخدام أضواء ساطعة قد تكشف مواقعهم للعدو، ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه التقنية جزءاً أساسياً من تصميم معظم الطائرات العسكرية الحديثة.

وتعمل أضواء التشكيل من خلال إصدار توهج أخضر خافت، إضافة إلى إشعاع بالأشعة تحت الحمراء يمكن رصده باستخدام معدات الرؤية الليلية، بينما يصعب ملاحظته من مسافات بعيدة بالعين المجردة، ويحقق هذا التصميم توازناً بين متطلبات السلامة والحفاظ على التخفي، وهو عنصر حاسم في العمليات العسكرية.

وتستخدم هذه الأضواء بشكل واسع في المهام التي تتطلب تحليق أكثر من طائرة معاً، مثل التدريبات الجوية، وعمليات التزود بالوقود في الجو، والاقتراب من حاملات الطائرات، فضلاً عن المهام القتالية، وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحفاظ على المسافات الدقيقة بين الطائرات أمراً بالغ الأهمية، خصوصاً في الظلام أو عند انخفاض مستوى الرؤية بسبب الظروف الجوية.

ووفقاً لمعايير التصميم الجوي، فإن أضواء التشكيل توفر للطيارين معلومات بصرية واضحة عن اتجاه وميلان وموقع الطائرة القائدة، ما يساعدهم على الحفاظ على التشكيل الجوي وتجنب الاصطدامات أثناء المناورات والطيران بسرعات عالية.

وتختلف أماكن تثبيت هذه الأضواء من طراز إلى آخر، لكنها غالباً ما توضع على جانبي جسم الطائرة، والزعانف الرأسية، وأحياناً على الأجنحة، بحيث تمنح الطيارين رؤية واضحة لشكل الطائرة واتجاهها من مختلف الزوايا.

وجاءت فكرة تطوير هذا النظام استجابة للدروس المستفادة من الحرب العالمية الثانية، حيث أظهرت الإحصاءات أن معدلات حوادث الطيران الليلي كانت أعلى بما يتراوح بين ضعفين وأربعة أضعاف مقارنة بالطيران النهاري، ومع دخول عصر الطائرات النفاثة خلال الحرب الباردة، وارتفاع السرعات وتقارب المسافات بين الطائرات أثناء التحليق، ازدادت الحاجة إلى نظام يوفر مرجعاً بصرياً آمناً وفعالاً.

ورغم التطور الكبير في تقنيات الطيران الحديثة، بما في ذلك الرادارات المتقدمة، وأجهزة الرؤية الليلية، وأنظمة الاستشعار الإلكترونية، فإن أضواء التشكيل لا تزال تحتفظ بأهميتها حتى على متن مقاتلات الجيل الخامس، مثل F-22 Raptor، إذ لا تزال الرؤية البصرية المباشرة عاملاً لا غنى عنه في كثير من المواقف العملياتية.

وتؤكد هذه التقنية أن بعض أبسط الابتكارات الهندسية قد تكون الأكثر فاعلية، فبينما تبدو الشرائط الخضراء مجرد تفاصيل صغيرة على هيكل الطائرة، فإنها تؤدي دوراً محورياً في تعزيز سلامة الطيارين، وضمان تنفيذ المهام العسكرية الليلية بكفاءة، مع تقليل احتمالات الحوادث والحفاظ على مستوى منخفض من إمكانية رصد الطائرات أثناء العمليات.