خلف الأبواب المغلقة… السيناريو الأخير للطائرة التي أرعبت العالم

بدأت القوات الجوية الأمريكية رسمياً دراسة مستقبل القاذفة الإستراتيجية الشهيرة B-52، في خطوة تعكس إدراكاً متزايداً بأن الطائرة، رغم برامج التحديث الضخمة التي تخضع لها، لن تكون قادرة على البقاء في الخدمة إلى ما لا نهاية.

وكشفت وثائق مشروع موازنة السنة المالية 2027 أن سلاح الجو الأمريكي طلب تخصيص مليون دولار لإطلاق دراسة تحت عنوان "تحليل البدائل لقاذفة ثقيلة جديدة"، بهدف تقييم الاحتياجات المستقبلية لقدرات الضربات بعيدة المدى، ودراسة ما إذا كانت هناك ضرورة لتطوير قاذفة جديدة تحل محل B-52 مستقبلاً.

ووفقاً للوثائق، ستشمل الدراسة تحديد متطلبات الأداء الرئيسية والخصائص التقنية والتشغيلية لقاذفة ثقيلة مستقبلية، إضافة إلى تقييم الخيارات الصناعية والبرامجية المتاحة لتطويرها.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تواصل فيه القوات الجوية تشغيل 76 قاذفة من طراز B-52H، وهي النسخة الأحدث من الطائرة التي خرج آخر نموذج منها من خطوط إنتاج شركة بوينغ عام 1962.

ورغم ذلك، لا تزال هذه القاذفات تؤدي دوراً محورياً في قدرات الضربات التقليدية والنووية الأمريكية، كما شهدت استخداماً مكثفاً خلال العمليات العسكرية الأخيرة المرتبطة بالمواجهة في إيران.

ويُتوقع، وفق الخطط الحالية، أن تبقى B-52 في الخدمة حتى خمسينات القرن الحالي على الأقل، وهو ما يعني أن أحدث الطائرات العاملة ستقترب من عمر 90 عاماً.

وفي موازاة ذلك، تنفذ القوات الجوية برنامج تحديث واسع النطاق لأسطول B-52 بتكلفة تُقدّر بمليارات الدولارات، يشمل تزويد الطائرات بمحركات جديدة ورادارات وأنظمة اتصالات متطورة، إلى جانب دمج جيل جديد من الأسلحة، من بينها صواريخ فرط صوتية وأسلحة نووية حديثة.

وستحصل الطائرات بعد اكتمال عملية التحديث على تسمية جديدة هي B-52J، في إشارة إلى حجم التغييرات التقنية التي ستطرأ عليها.

لكن البرنامج يواجه بالفعل تحديات كبيرة، أبرزها ارتفاع التكاليف وتأخر بعض المكونات الرئيسية، خاصة مشروع استبدال المحركات وتحديث الرادارات، وهما من أكبر عناصر برنامج التطوير من حيث الكلفة.

وبحسب وثائق الميزانية، فإن التمويل المطلوب للدراسة الجديدة سيأتي ضمن بند "عرض المفاهيم المتقدمة" المدرج في قسم "تحسينات أنظمة B-52".

كما أظهرت الوثائق أن القوات الجوية حصلت في السنة المالية 2025 على نحو 4 ملايين دولار لتمويل "عرض إثبات مفهوم سري" مرتبط بالقاذفة B-52، من دون الكشف عن تفاصيله.

ورغم عمرها المتقدم، لا تزال B-52 تتمتع بقدرات فريدة تجعلها مختلفة عن القاذفات الحديثة الأخرى، خاصة قدرتها على حمل حمولات ضخمة جداً تحت الأجنحة، بما في ذلك ذخائر كبيرة الحجم وصواريخ متطورة.

كما استخدمت الطائرة سابقاً في برامج اختبار وأبحاث متقدمة، شملت إطلاق طائرات مأهولة وغير مأهولة من الجو.

وفي الوقت الراهن، لا توجد أي قاذفة ثقيلة مماثلة لـB-52 قيد الإنتاج عالمياً، وتبقى شركة نورثروب غرومان الجهة الأمريكية الوحيدة التي تنتج قاذفات إستراتيجية حالياً عبر مشروع القاذفة الشبحية B-21 Raider، إلا أن الأخيرة صُممت لتلبية متطلبات مختلفة تماماً، ما يدفع القوات الجوية للتخطيط لتشغيلها جنباً إلى جنب مع B-52 لسنوات طويلة.

ولم تحدد الدراسة الجديدة حتى الآن شكل أو طبيعة القاذفة المستقبلية المحتملة، لكن من بين المفاهيم المطروحة تصميم "الجناح الممزوج بالبدن" (Blended Wing Body)، الذي يمنح الطائرة خصائص تخفٍ جزئية وقدرات أكبر على حمل الذخائر داخلياً.

كما قد تتناول الدراسة خيارات أكثر تنوعاً لتلبية متطلبات الضربات بعيدة المدى، بما في ذلك مفاهيم تشغيلية جديدة مرتبطة بالتزود الجوي بالوقود أو استخدام منصات متعددة المهام.

ورغم أن إطلاق دراسة "تحليل البدائل" لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار فوري بتطوير قاذفة جديدة، فإن الخطوة تعكس بوضوح بدء القوات الجوية الأمريكية التفكير بجدية في مرحلة ما بعد B-52، بعدما أصبحت مسألة تقادم هياكل الطائرات وارتفاع تكاليف صيانتها وتحديثها تحدياً لا يمكن تجاهله مستقبلاً.