تخضع حاملات الطائرات النووية الأمريكية لواحدة من أكثر عمليات الصيانة الهندسية تعقيدا في العالم، حيث تتطلب إعادة إحداها من الحوض الجاف إلى الخدمة التشغيلية ضخ أكثر من 160 مليون غالون من المياه، أي ما يعادل نحو 240 مسبحا أولمبيا، لإعادة تعويم سفينة قد يتجاوز وزنها 100 ألف طن.
وتجري هذه العملية ضمن برنامج الصيانة والتحديث الشامل المعروف باسم RCOH (Refueling and Complex Overhaul)، والذي يُعد دورة صيانة رئيسية في منتصف عمر الخدمة لحاملات الطائرات النووية، ويشمل إعادة تزويد المفاعل النووي بالوقود، إلى جانب تحديث شامل للأنظمة القتالية والميكانيكية والإلكترونية.
وبحسب بيانات صادرة عن شركات بناء السفن العسكرية الأمريكية، فإن تكلفة هذا النوع من عمليات التحديث تصل إلى نحو 2.8 مليار دولار أمريكي للحاملة الواحدة، فيما قد تمتد فترة التنفيذ لسنوات وتشمل أكثر من 26 مليون ساعة عمل موزعة على آلاف الفنيين والمهندسين.
وتُنفذ هذه العمليات في أحواض متخصصة للغاية، أبرزها مجمع Newport News Shipbuilding في ولاية فرجينيا، وهو المرفق الوحيد في نصف الكرة الغربي القادر على تنفيذ هذا النوع من التحديثات لحاملات الطائرات النووية الأمريكية.
ويضم الحوض الجاف المخصص لهذه العمليات بنية تحتية عملاقة بطول يتجاوز 660 مترا، ما يسمح باستيعاب أكبر السفن الحربية في الأسطول الأمريكي.
وتبدأ العملية بإدخال الحاملة إلى الحوض الجاف بمساعدة عدة قاطرات بحرية عالية القدرة، قبل تفريغ المياه تدريجيا حتى تستقر السفينة على كتل دعم خرسانية مصممة بدقة هندسية عالية، وخلال هذه المرحلة، يتم تفكيك أنظمة الدفع، وفحص الهيكل الخارجي، وإجراء أعمال صيانة شاملة تشمل آلاف المكونات الميكانيكية، بما في ذلك المراوح وأعمدة الدفع والصمامات وأنظمة التبريد.
كما يشمل البرنامج تحديثاً كاملاً للأنظمة الإلكترونية وأنظمة القيادة والسيطرة والرادارات، إلى جانب إعادة طلاء الهيكل الخارجي بمواد متقدمة تقلل مقاومة المياه وتحسن الكفاءة التشغيلية للسفينة.
وفي المرحلة الأكثر حساسية، يتم إعادة ملء الحوض الجاف بالمياه تدريجيا لإعادة تعويم الحاملة، وهي عملية تُعرف باسم "الطفو الحرج"، حيث تُراقب بدقة أي تغيرات في توازن الهيكل لتجنب أي أضرار إنشائية محتملة.
وبعد الانتهاء من أعمال الصيانة، تخضع الحاملة لسلسلة من الاختبارات البحرية تشمل تشغيل الأنظمة بأقصى طاقتها، واختبارات الإقلاع والهبوط للطائرات على سطحها، قبل إعلان جاهزيتها للعودة إلى الخدمة الفعلية ضمن الأسطول الأمريكي.
وتُعد هذه العمليات جزءا أساسيا من استراتيجية البحرية الأمريكية للحفاظ على جاهزية أسطولها النووي، حيث تمثل كل حاملة طائرات منصة قتالية عائمة قادرة على تنفيذ مئات المهام الجوية يوميا، ونقل آلاف الأفراد، والعمل في مختلف مسارح العمليات حول العالم.
