رغم تفوقها على F-16 .. قصة الطائرة التي هزمتها السياسة قبل الإقلاع

تُعد مقاتلة F-20 Tiger Shark واحدة من أبرز مشاريع الطيران العسكري الأمريكية التي لم تصل إلى مرحلة الإنتاج الفعلي، رغم ما حققته من تطور تقني لافت، وقد طوّرتها شركة نورثروب (Northrop) لتكون الامتداد الطبيعي لمقاتلة F-5 Tiger II، التي اشتهرت عالميا بكونها طائرة خفيفة منخفضة التكلفة وسهلة التشغيل وواسعة الانتشار في سوق التصدير.

وجاء تطوير F-20 بهدف واضح يتمثل في تقديم مقاتلة خفيفة أكثر تطورا، تحافظ على فلسفة البساطة والاقتصاد في التشغيل، لكنها ترتقي في الأداء لتكون قادرة على منافسة المقاتلات الحديثة وعلى رأسها F-16.

سياق سياسي معقّد وبرنامج FX

ظهر المشروع في فترة سياسية حساسة خلال إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، حيث اتبعت الولايات المتحدة سياسة تقيد تصدير الأسلحة المتقدمة، الأمر الذي حدّ من إمكانية بيع المقاتلات المتطورة لحلفاء واشنطن، في الوقت نفسه، كان الاتحاد السوفييتي يواصل تصدير طائراته إلى الدول الحليفة، ما زاد من حدة المنافسة الجيوسياسية.

وفي هذا السياق، أُطلق برنامج FX عام 1980 بهدف تطوير مقاتلة بديلة لـF-5 تكون أكثر تطورا، لكنها في الوقت نفسه لا تعتمد على الأنظمة الأكثر تقدما في القوات الجوية الأمريكية، وقد أدى هذا التوازن الصعب بين الأداء والتقييد السياسي إلى تشكيل جوهر مشروع F-20.

قفزة تقنية بمحرك F404 وأنظمة متقدمة

اعتمدت F-20 على محرك General Electric F404، وهو محرك حديث نسبيا مقارنة بما استخدم في F-5، ما منح الطائرة زيادة تقارب 70% في قوة الدفع، وقد انعكس هذا التطور بشكل مباشر على الأداء، حيث اقتربت سرعتها من ماخ 2، وتجاوز سقف الارتفاع التشغيلي 16,700 متر، مع تحسن واضح في معدل التسلق.

كما شملت التعديلات الهندسية تحسينات على البنية الهوائية من خلال تكبير المثبت الأفقي وإضافة امتدادات على الحواف الأمامية للأجنحة لزيادة الرفع والكفاءة، ولعب نظام Fly-by-Wire دورا مهما في تحسين دقة التحكم وسرعة الاستجابة وتعزيز القدرة على المناورة في مختلف ظروف الطيران.

قمرة قيادة حديثة وتكاليف تشغيل منخفضة

تميزت المقاتلة بقمرة قيادة متطورة تضمنت شاشة عرض أمامية HUD ونظام HOTAS الذي يسمح للطيار بالتحكم في معظم الوظائف دون رفع اليد عن أدوات القيادة، ما يقلل زمن الاستجابة في القتال الجوي.

كما احتفظت الطائرة بمدفعين من طراز M39 عيار 20 ملم، إلى جانب سبع نقاط تعليق خارجية تسمح بحمل ذخائر متنوعة يصل وزنها الإجمالي إلى نحو 4 أطنان من الصواريخ والقنابل الجوية.

وكان أحد أهم عناصر الترويج للمشروع هو انخفاض تكاليف التشغيل، حيث تم تصميم المحرك ليكون أقل تعقيدا وأكثر موثوقية، ما يقلل الأعطال ويخفض احتياجات الصيانة. وذكرت الشركة أن الطائرة يمكن أن تنتقل من وضع الاستعداد إلى الإقلاع خلال دقيقة واحدة فقط، ما يجعلها مناسبة لمهام الدفاع الجوي السريع.

أداء قوي واهتمام دولي محدود

خضعت F-20 لسلسلة اختبارات شاملة شملت السرعة والتسلق والمناورة وتقييمات قتالية كاملة، وقد أظهرت النتائج أداءً وُصف بأنه يعادل أو يتفوق في بعض الحالات على مقاتلة F-16، التي كانت المنافس المباشر لها.

ومع ذلك، احتفظت F-16 بأفضلية استراتيجية مهمة، كونها المقاتلة الرئيسية في القوات الجوية الأمريكية، إضافة إلى قدرتها على حمل تسليح أكبر ومدى أطول وإمكانية تطوير مستقبلية أوسع.

ورغم الاهتمام الأولي من نحو عشر دول، من بينها كوريا الجنوبية، التي درست إمكانية الإنتاج المحلي، إلا أن هذا الاهتمام لم يتحول إلى عقود فعلية.

حوادث واختلالات في السوق الدفاعي

تعرض برنامج الاختبارات لحادثين مميتين أسفرا عن مقتل طيارين تجريبيين هما داريل كورنيل وديف بارنز، ورغم أن التحقيقات لم تكشف عن أي عيوب في التصميم أو أنظمة الطائرة، فإن الحوادث أثرت على ثقة السوق بالمشروع.

لاحقا، أدى وصول إدارة الرئيس رونالد ريغان إلى تغيير السياسة الأمريكية المتعلقة بتصدير الأسلحة، حيث تم السماح ببيع مقاتلات أكثر تقدما مثل F-16 بشروط أوسع، ما أدى إلى تقليل الحاجة إلى مقاتلة وسيطة مثل F-20.

غياب الدعم الحكومي ونهاية البرنامج

بلغت تكلفة تطوير F-20 نحو مليار دولار تم تمويلها بشكل شبه كامل من شركة نورثروب، لكن المشروع واجه عقبة أساسية تمثلت في غياب الدعم الحكومي الفعلي لتسويقه، إضافة إلى عدم اعتماده داخل القوات الجوية الأمريكية، ما أضعف فرصه في السوق الدولية.

وفي جلسات بالكونغرس، أقر مسؤولون في سلاح الجو بعدم وجود جهود رسمية لدعم بيع الطائرة، وهو ما جعلها تفقد فرص العقود المحتملة تدريجيا.

ومع تغير توجهات الدول نحو مقاتلات أكثر تطورا مثل F-16 أو مشاريع محلية بديلة مثل التايوانية F-CK-1 أو الفرنسية ميراج 2000، تضاءلت فرص F-20 بشكل أكبر.

نهاية البرنامج وإرثه التقني

في عام 1986، أعلنت شركة نورثروب إيقاف برنامج F-20 رسميا دون دخول مرحلة الإنتاج أو توقيع أي عقد تصدير، وقد انتهى المشروع بثلاثة نماذج أولية فقط، فُقد اثنان منها خلال الاختبارات، بينما بقي نموذج واحد محفوظا في مركز كاليفورنيا للعلوم.

وبذلك، بقيت F-20 مثالا بارزً على مقاتلة حققت نجاحا تقنيا واضحا وكفاءة تشغيلية عالية، لكنها لم تتمكن من البقاء في السوق بسبب عوامل سياسية واستراتيجية خارج إطار التصميم والهندسة، لتظل واحدة من أبرز "المشاريع التي كادت أن تنجح".