عملية"حوض السمك".. لماذا فجّرت أمريكا قنابل نووية في الفضاء؟

في ذروة التوتر خلال الحرب الباردة، لم تقتصر المواجهة بين القوى العظمى على الأرض، بل امتدت إلى حدود الفضاء نفسه. في عام 1962، أطلقت الولايات المتحدة سلسلة تجارب نووية جريئة عُرفت باسم عملية حوض السمك، حيث فجّرت قنابل نووية على ارتفاعات شاهقة فوق المحيط الهادئ. لم يكن الهدف مجرد استعراض للقوة، بل محاولة لفهم تأثير هذه الانفجارات على الاتصالات والأقمار الصناعية، وربما استكشاف إمكانية استخدامها كدرع ضد الصواريخ. لكن ما بدأ كتجربة علمية وعسكرية تحوّل سريعًا إلى إنذار خطير كشف مدى هشاشة التكنولوجيا الحديثة أمام قوة لا يمكن السيطرة عليها.

كانت الحرب الباردة مليئة بالخطط الغريبة والقرارات الجريئة والخطوات المتهورة، لكن قليلا منها كان أكبر أو أجرأ من قصف حافة الفضاء الخارجي بالأسلحة النووية. كانت النتيجة على المدى القصير مناظر خلابة، لكن العواقب كانت كارثية لدرجة أن هذه التجارب المتهورة حُظرت فورا في جميع أنحاء العالم .

عملية حوض السمك، هي سلسلة من التجارب العسكرية التي أجريت في عام 1962 حيث فجرت الولايات المتحدة عدة قنابل نووية على ارتفاعات عالية في الغلاف الجوي فوق المحيط الهادئ.

كان الهدف من ذلك تحديد كيفية تأثير الانفجارات على ارتفاعات عالية على الاتصالات اللاسلكية والرادار والأقمار الصناعية. وتساءل البعض أيضا عما إذا كان التفجير النووي في الغلاف الجوي يمكن أن يشكل درعا بدائيا ضد الصواريخ القادمة. ومع ذلك، في ظل التنافس المحموم خلال الحرب الباردة ، كان من المرجح أن يكون الاتحاد السوفيتيي قد بدأ بتجاربه النووية على ارتفاعات عالية. ولإثبات قوتهم التكنولوجية والعسكرية، كان على الأمريكيين أن يسبقوا السوفييت في هذا المجال.

في إطار عملية حوض السمك "Fishbowl"، كان من المقرر إطلاق جميع الصواريخ من جزيرة جونستون، وهي جزء من جزر جونستون المرجانية النائية التي تسيطر عليها القوات الجوية الأمريكية، وتقع في وسط المحيط الهادئ على بعد حوالي 1300 كيلومتر (أكثر من 800 ميل) جنوب غرب هاواي. وتماشياً مع الطابع الاستوائي، أُطلقت على كل تجربة مجموعة من الأسماء الغريبة المستوحاة من عالم البحار: بلوجيل، وستارفيش، وستارفيش برايم، وبلوجيل برايم، وبلوجيل دبل برايم.

كانت أشهرها على الإطلاق هي ستارفيش برايم. في ليلة 9 يوليو 1962، حمل صاروخ ثور رأسا نوويا بقوة 1.4 ميغا طن إلى مدار أرضي منخفض، وانفجر على ارتفاع حوالي 400 كيلومتر (250 ميلًا) فوق جزيرة جونستون - أعلى بكثير من خط كارمان، وهو الحد الرسمي للفضاء ، والذي يقع على ارتفاع 100 كيلومتر (62 ميلًا) فوق الأرض، وفقا لـ "iflscience".

على عكس الانفجار النووي التقليدي، لا يُنتج الانفجار على هذا الارتفاع كرة نارية أو سحابة فطرية أو موجة صدمية. ولأن الغلاف الجوي رقيق للغاية، فلا يوجد وسط لتكوّن هذه الظواهر. بدلاً من ذلك، تُطلق القنبلة طاقتها على شكل إشعاع مكثف وبلازما عالية السرعة، مُكوّنةً كرة ضوئية صامتة ومتوسعة بشكل غريب.

في غضون ثوانٍ من انفجار ستارفيش برايم، امتلأت السماء عبر المحيط الهادئ بوهج غير طبيعي، وخاصة خيوط متعرجة من الشفق القطبي الاصطناعي، وساد صمت غريب.

كانت الظواهر المرئية الناتجة عن الانفجار واسعة الانتشار وشديدة للغاية؛ فقد أضاءت الظواهر الشفقية مساحة كبيرة جدا من المحيط الهادئ.

اخترق وميض أبيض ساطع السحب بسرعة، متحولاً إلى كرة خضراء متوسعة من الإشعاع تمتد في السماء الصافية فوق الغيوم. ومن سطحها انبثقت أصابع بيضاء عظيمة، تشبه السحب الرقيقة الطبقية، والتي ارتفعت إلى 40 درجة فوق الأفق في أقواس واسعة، متجهة نحو الأسفل باتجاه القطبين، واختفت في ثوانٍ ليحل محلها حلقات متحدة المركز مذهلة تشبه السحب الرقيقة، تتحرك من الانفجار بسرعة ابتدائية هائلة، وتتوقف أخيرًا عندما كانت الحلقة الخارجية على ارتفاع 50 درجة فوق الرأس.

لكن الأمر لم يكن مجرد عرض ضوئي غير مؤذٍ. فقد تسبب وابل الجسيمات عالية الطاقة في أضرار كهربائية كبيرة في جميع أنحاء هاواي، مما أدى إلى انقطاع إنارة الشوارع ، وتعطيل شبكات الهاتف، وإطلاق الإنذارات في جميع أنحاء هونولولو.

فوق سطح الأرض، كان الوضع أسوأ. فبالإضافة إلى تجربة مماثلة أجراها السوفييت على ارتفاعات عالية في أكتوبر 1962، تشير التقديرات إلى أن ثلث الأقمار الصناعية في المدار قد تضررت بفعل موجات الإشعاع.

وشمل ذلك أول قمر صناعي تجاري للاتصالات في العالم، وهو Telstar 1 التابع لشركة AT&T، والذي أُطلق في اليوم التالي لتجربة Starfish Prime. وبحلول فبراير 1963، توقف عن العمل تمامًا، بعد أن تعطلت إلكترونياته بشكل لا يمكن إصلاحه.

يزداد حجم الضرر فظاعةً عند الأخذ في الاعتبار أن عدد الأقمار الصناعية في المدار آنذاك لم يتجاوز 22 قمراً. أما اليوم، فيوجد أكثر من 15 ألف قمر ، ويتزايد هذا العدد بسرعة . لو حدث ما يشبه كارثة "ستارفيش برايم" في القرن الحادي والعشرين، لكانت العواقب وخيمة؛ إذ ستتعطل أنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS) وغيرها من أدوات الملاحة، وستنهار الأنظمة المالية التي تعتمد على توقيت الأقمار الصناعية، وسيصبح التنبؤ بالطقس أمراً مستحيلاً، وستنقطع الاتصالات العالمية.

شهدت عملية "حوض السمك" أيضاً عدة حوادث. وكان أخطرها حادثاً وقع في 25 يوليو 1962، خلال تجربة "بلوجيل برايم"، عندما انفجر نظام صواريخ "ثور" قبل الأوان على الأرض، متسبباً في انتشار البلوتونيوم وملوثات أخرى خطيرة في جزيرة جونستون. توقفت العملية لعدة أسابيع، لكنها استؤنفت بسلسلة من التجارب الجديدة: "دبل برايم تشيكميت"، و"بلوجيل تربل برايم"، و"كينغفيش"، و"تايتروب".

الخبر السار هو أن العالم قد تعلم في نهاية المطاف من أخطاء عملية "حوض السمك". فقد ساهمت التداعيات الناجمة عن التجارب النووية على ارتفاعات عالية في حشد جهود كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لتوقيع معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية ، التي أُبرمت في أغسطس 1963، والتي تحظر التفجيرات النووية في الغلاف الجوي وتحت الماء وفي الفضاء. وتلا ذلك معاهدة الفضاء الخارجي عام 1967، التي فرضت قيوداً إضافية على نشر واستخدام الأسلحة النووية في الفضاء.

كانت تلك لحظة نادرة أدركت فيها قوتان عظميان أنهما اقتربتا أكثر مما ينبغي من حافة كارثة كونية… فتراجعتا، قبل أن يدفع العالم الثمن بالكامل.

فيديو