لماذا تعتمد الغواصات العسكرية على الإضاءة الحمراء فقط؟

تُعد الغواصات الهجومية في البحرية الأمريكية من أكثر المنصات العسكرية قدرة على التخفي، حيث تعمل في أعماق المحيط المظلمة، غير أن هذه الغواصات تضطر أحيانا للصعود للأعلى ، لتمكين الطاقم من تقييم البيئة المحيطة.

وخلال هذه المرحلة، تصبح الغواصة في حالة تعرض أكبر للمخاطر، ما يجعل عامل الزمن حاسما، خاصة بالنسبة لغواصات الصواريخ الباليستية التي تُعد عنصرا أساسيا في "الثالوث النووي" الأمريكي، والذي تعتمد عليه الولايات المتحدة في منظومة أمنها القومي.

في هذا السياق، تلجأ البحرية إلى استخدام الإضاءة الحمراء داخل الغواصات بدلا من الإضاءة البيضاء الساطعة، نظرا لخصائصها البصرية التي تساعد على تقليل إجهاد العين وتحسين الرؤية الليلية، فالضوء الأحمر يتميز بطول موجي أطول، ما يجعله أقل شدة على العين البشرية، ويسهل تكيفها معه عند الانتقال بين الظلام والضوء.

كما أن التعرض للضوء الخافت لفترات تتجاوز 20 دقيقة يحفّز الجسم على إنتاج مادة "الرودوبسين"، المسؤولة عن تعزيز الرؤية في الظلام، في حين يؤدي التعرض للضوء الساطع إلى تلاشي هذه المادة بسرعة، وعلى عكس الضوء الأبيض، لا يعيق الضوء الأحمر هذه العملية، مما يمنح الطاقم قدرة أفضل على الحفاظ على الرؤية الليلية.

ولا يقتصر دور الإضاءة الحمراء على تحسين الرؤية فحسب، بل يمتد ليشمل دعم أنماط النوم لدى الطاقم، إذ تؤثر أطوال الموجات الضوئية بشكل مباشر على الإيقاع اليومي للجسم.

وعلى سبيل المثال، يُعرف الضوء الأزرق بتأثيره السلبي على النوم، حيث يعمل على تثبيط إنتاج هرمون "الميلاتونين" المسؤول عن تنظيم دورة النوم، في المقابل، لا يثبط الضوء الأحمر هذا الهرمون ولا يعطل الإيقاع البيولوجي، ما يساعد البحارة على النوم في الوقت المناسب والاستيقاظ بحالة يقظة أعلى خلال نوبات عملهم.

ورغم ذلك، لا يُعتبر الضوء الأحمر عاملا محفزا للنوم بحد ذاته، بل هو خيار يهدف إلى عدم التأثير سلبا على جودة النوم، ويُعد انعدام الإضاءة هو الخيار الأمثل، إلا أن العمل داخل الغواصات يتطلب توفر حد أدنى من الإضاءة لأسباب تشغيلية وأمنية.

وتجدر الإشارة إلى أن استخدام الإضاءة الحمراء لا يعني بالضرورة تركيب مصابيح ذات لون أحمر، بل يتم الاعتماد على مصادر ضوئية تصدر أطوالاً موجية حمراء فعليا، بما يحقق التأثير المطلوب على الرؤية والإيقاع الحيوي للطاقم.

كما تساهم هذه الإضاءة في تقليل احتمالات الكشف عن الغواصة من الخارج، نظرا لانخفاض تسرب الضوء الأحمر مقارنة بالألوان الأخرى، مما يعزز من قدرات التخفي.

ويُعد هذا العامل مهما في العمليات السرية التي تتطلب أعلى درجات الحذر والانضباط، وفي المحصلة، يجمع استخدام الإضاءة الحمراء بين اعتبارات تتعلق بالأمن والتكتيك من جهة، وصحة الطاقم وكفاءته من جهة أخرى، ليشكل عنصرا أساسيا في بيئة العمل داخل الغواصات الحديثة.