في عالم الطيران العسكري، لا يقتصر التواصل بين الطائرات على أجهزة الراديو، بل يمتد ليشمل منظومة متكاملة من الإشارات البصرية التي تُستخدم في الحالات الطارئة أو عند تعطل وسائل الاتصال، ومن أبرز هذه الإشارات قيام الطائرة المقاتلة بهزّ جناحيها، وهي حركة تحمل دلالات دقيقة في سياق العمليات الجوية، خاصة أثناء عمليات الاعتراض.
وتبرز أهمية هذه الإشارة في السيناريوهات التي تخترق فيها طائرة ما المجال الجوي لدولة أخرى دون تصريح مسبق، ودون تواصل مع برج المراقبة الجوية، كالحالات التي لا يتم فيها إعلان الطوارئ عبر الرمز الدولي 7700، في مثل هذه الظروف، يتم التعامل مع الطائرة باعتبارها تهديدا محتملا، حيث تُرسل عادة طائرتان مقاتلتان لاعتراضها والتحقق من هويتها ونواياها.
ووفق الإجراءات المعتمدة لدى الجيش الأمريكي، تقترب الطائرتان الاعتراضيتان من الهدف من الخلف، حيث تتموضع إحداهما بجانب الطائرة لرؤية الطيار، بينما تبقى الأخرى خلفها في تشكيل يؤكد أن عملية الاعتراض قد تمت رسميا.
عند هذه النقطة، يُطلب من الطيار المُخالف تنفيذ إشارة واضحة تتمثل في إمالة جناحي الطائرة يمينا ويسارا، في دلالة على استيعابه للتعليمات واستعداده للامتثال، وفي حال حدوث الاعتراض ليلا، يتوجب أيضا تشغيل وإطفاء أضواء الملاحة كإشارة إضافية.
وتُعد هذه العمليات من الحالات الطارئة، إذ لا تكون الجهات المختصة على الأرض على دراية بنوايا الطائرة المتسللة، ولهذا، قد تضطر الطائرات الاعتراضية إلى التحليق بسرعات تفوق سرعة الصوت للحاق بالهدف، ما يؤدي إلى حدوث دويّ انفجار صوتي قوي يُسمع على مسافات بعيدة.
وعلى الرغم من أن عمليات الاعتراض تُنفذ بشكل متكرر حول العالم وتنتهي غالبا بمرافقة الطائرة خارج المجال الجوي، فإنها لا تخلو من التوترات، ففي منطقة ألاسكا، تشير قيادة الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية (NORAD) إلى أنها تعترض سنويا ما بين ست إلى سبع طائرات عسكرية داخل مناطق محظورة.
كما شهدت بعض الحالات سلوكا أكثر خطورة، من بينها حادثة وقعت في سبتمبر الماضي، حيث اقتربت طائرة روسية بشكل لافت من مقاتلة أمريكية من طراز F-16.
وفي حادثة أخرى عام 2022، اعترضت مقاتلتان روسيتان من طراز Su-35 طائرات دورية أمريكية من طراز P-8A فوق البحر الأبيض المتوسط، واقتربتا لمسافة لا تتجاوز خمسة أقدام، في سلوك وصف بأنه محفوف بالمخاطر.
ويحذر خبراء الطيران من أن هذا النوع من الاقتراب الشديد يزيد من احتمالات التصادم، فضلا عن تعريض الطائرات لمخاطر اضطرابات الهواء الناتجة عن العادم أو الدوامات الهوائية.
وتعكس هذه الحوادث جذور التوتر الممتد بين الولايات المتحدة وروسيا منذ عقود، إذ تعود جذوره إلى فترة الحرب الباردة، حين كانت المقاتلات السوفييتية تمثل مصدر قلق دائم للجانب الأمريكي، وفي هذا السياق، قال القائد المتقاعد في البحرية الأمريكية ومدرب برنامج "توب غان"، غاي سنودغراس، إن روسيا دأبت على تنفيذ اعتراضات كوسيلة لترهيب أطقم الطائرات أو دفعها لمغادرة مناطق معينة.
