أوروبا تتصدّع.. «واقعية الطاقة» تتفوق على «مثالية التضامن»

يشهد الاتحاد الأوروبي التصدع الأخطر منذ تأسيسه، حيث انتقل الخلاف من الأروقة الدبلوماسية في بروكسل إلى «حرب طاقة» علنية تقودها سلوفاكيا والمجر ضد أوكرانيا، ما وضع الإجماع في القارة العجوز في مهب الريح.

هذا الانقسام المتصاعد يعكس تحوّلاً جذرياً في ديناميكيات السياسة الأوروبية؛ إذ لم تعد العقوبات على روسيا موضوع الخلاف الوحيد، بل أصبحت المساعدات الحيوية لأوكرانيا ورقة ضغط تستخدمها دول أعضاء لحماية مصالحها القومية.

ويمثّل إعلان رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو، وقف إمدادات الكهرباء الطارئة لأوكرانيا، رداً على انقطاع النفط الروسي عبر خط «دروغبا»، ضربة موجعة لشبكة الطاقة الأوكرانية المنهكة، محوّلاً مبدأ «تضامن الجوار»، الذي ساد ردحاً من الزمن، إلى أداة للمقايضة السياسية.

ويرى المحلل السياسي المجري تشابا مولنار أن استخدام بودابست وبراتيسلافا لورقة الطاقة والتمويل بمثابة إعادة صياغة للعلاقة مع الاتحاد الأوروبي؛ حيث يدرك رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان أن حاجة أوكرانيا الماسة للكهرباء والمال تمنحه قوة تفاوضية غير مسبوقة.

هذا التوجه تصفه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأنه «تقويض للأمن الجماعي»، وتحذّر من أن هذه الثغرات تمنح موسكو فرصة ذهبية لشق الصف الأوروبي.

ومن الناحية الاستراتيجية، يعتقد الخبير العسكري الألماني كارلو ماسالا أن انقطاع الكهرباء السلوفاكية سيتجاوز معاناة المدنيين ليصل إلى «شلل اللوجستيات العسكرية»، ولا سيما أن المصانع الحربية الأوكرانية الحدودية تعتمد بشكل شبه كامل على هذا الشريان الكهربائي.

تعقيد جديد

على الضفة الأخرى من الأطلسي، يضيف الموقف الأمريكي تعقيداً جديداً للمشهد؛ حيث تراقب إدارة الرئيس دونالد ترامب هذا التصدّع بنوع من «الواقعية السياسية» التي تميل في كثير من الأحيان للضغط على كييف. ففي الوقت الذي يدفع الاتحاد الأوروبي نحو قرض بقيمة 90 مليار يورو، تظهر تصريحات من البيت الأبيض تصف الصراع بأنه «غير عادل» لدافع الضرائب الأمريكي، وهو ما استغله أوربان وفيكو لتعزيز موقفهما الرافض للتمويل المفتوح.

ويرى جوزيب بوريل، منسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، أن «الفيتو» المجري يمثل طعنة في ظهر الجهد الحربي، معتبراً أن المجر وسلوفاكيا تلعبان دور «حصان طروادة» الذي يعزز رواية بوتين حول تآكل الصمود الغربي.

تؤكد هذه التطورات أن «واقعية الطاقة» بدأت تتفوق على «مثالية التضامن» في أوروبا؛ فبالنسبة لسياسيين مثل روبرت فيكو، لا يمكن التضحية بالأمن القومي من أجل دعم جارٍ يُتهم بعرقلة تدفقات الطاقة الحيوية.

هذا الصدع يضع القارة الأوروبية أمام معضلة وجودية؛ فإما الرضوخ لمطالب الدول المتمردة لضمان استمرار الدعم، أو المخاطرة بانهيار أوكرانيا اقتصادياً وميدانياً في ظل شتاء قارس.

وبينما تستمر كييف في وصف ما يحدث بـ«الابتزاز»، يبدو أن الموقف الموحد الذي صمد لأربع سنوات يواجه الآن امتحانه الأخير والأكثر قسوة.

jS