القطب الشمالي.. من هامش الجغرافيا إلى بؤرة للصراع الدولي

لم يعد القطب الشمالي مجرد امتداد جغرافي متجمّد، بل أصبح خزّاناً هائلاً للثروات وممرّاً استراتيجياً يعيد رسم خرائط النفوذ العالمي، بل يصفه البعض بأنه إحدى أكثر الجبهات الجيوسياسية حساسية في العالم.
وفي سباق الموارد وحسابات الأمن والعسكرة، يفرض الدب الروسي سيطرته كلاعب رئيسي يسعى لترسيخ مكانته في منطقة تبلغ مساحتها أربعة عشر مليون كيلومتر مربع، وتطل على ثماني دول أبرزها روسيا والولايات المتحدة، وتتحول بسرعة إلى ساحة للتنافس بين القوى الكبرى، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية في هذه المنطقة مع الحسابات الأمنية والعسكرية لهذه القوى.

ذوبان الجليد يكشف عن فرص هائلة لم تكن في الحسبان. 13% من احتياطات النفط، و30% من الغاز الطبيعي غير المكتشف عالمياً، إضافة إلى ممرات بحرية تختصر الزمن بين آسيا وأوروبا بمقدار 40%.
موارد تعيد رسم أهمية القطب الشمالي وتضعه على رأس الأولويات الدولية. وقد جاءت مطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن جزيرة غرينلاند القطبية في صلب هذه الحسابات. وبغض النظر عن بوح موسكو من عدمه بشأن هذه الجزيرة، إلا أن ترامب يكرر بأنه إن لم تسيطر أمريكا عليها، فإن روسيا والصين ستفعلان ذلك.

لكن روسيا تتبوأ موقع الصدارة في السباق الدولي، بما تملكه من وسائل فريدة وضرورية للاستفادة من فرص المنطقة. أسطول من كاسحات الجليد النووية هو الأكبر من نوعه في العالم، يضم عشرات الكاسحات الجليدية، منها ثماني كاسحات قادرة على العمل على مدار العام لتأمين خطوط الملاحة ونقل الطاقة من سيبيريا إلى الأسواق العالمية، الأمر الذي حدا بواشنطن للاعتراف بالتفوق الروسي وفجوة القدرات الكبيرة مع روسيا.

ترامب يقول في لقاء تلفزيوني: «لا تمتلك بلادنا بأكملها سوى كاسحة جليد واحدة بينما لدى روسيا ثمان وأربعون.. وهذا الأمر في الحقيقة مثير للسخرية».
الهيمنة الروسية في القطب الشمالي تتكامل مع بنية عسكرية متقدمة تشمل قواعد استراتيجية وأنظمة دفاع جوي وصاروخي ضمن رؤية تعتبر المنطقة عمقاً استراتيجياً روسياً. وبينما توسع دول الناتو حضورها شمالاً، وتبحث واشنطن وبكين عن موطئ قدم، تعمق موسكو سيطرتها على طريق بحر الشمال، بوصفه ممراً تجارياً عالمياً واعداً، في معادلة تعكس انتقال القطب الشمالي من هامش الجغرافيا إلى مركز ثقل في صراع الإرادات الكبرى.

على الخط

وكان دخول روسيا علناً على خط «غرينلاند» لافتاً للاهتمام. فحين قال نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي سيرغي مديفيديف إنه إذا لم تضمها أمريكا، فإن سكان الجزيرة قد يصوتون للانضمام إلى روسيا، قرأ مراقبون في هذه التصريحات تحريضاً لترامب على الإسراع في ضم الجزيرة، سعياً لتعميق التناقضات بين واشنطن وحلفائها في حلف الناتو، ومع أوروبا.

لكن اليوم قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن الجيش الروسي يراقب عن كثب خطط الولايات المتحدة بشأن درع الدفاع الصاروخية المعروفة باسم «القبة الذهبية»، لتحديد نوع هذه القبة والتهديدات التي صُممت لمواجهتها.
ولم يخف الاهتمام بالجزيرة، إذ أشار إلى أن موقعها يحظى بأهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لاستقرار روسيا وأمنها الاستراتيجيين، ولا سيما في ظل سعي واشنطن لتعزيز حضورها في القطب الشمالي.

مزيج من الحسابات

وفي إشارة متجددة، نشر البيت الأبيض صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر ترامب واقفاً على أرض جليدية تحمل علم غرينلاند، مرفقة بعبارة: «احضن البطريق»، رغم أن الجزيرة لا وجود للبطريق فيها، كما كتب معلّقون على تغريدة ترامب.

تتحدث قناة CNBC عربية، عن ست حقائق أساسية حول سر اهتمام ترامب بغرينلاند، حيث إن هذه الجزيرة عنصر حاسم للأمن القومي الأمريكي، بسبب موقعها الاستراتيجي على طرق الملاحة القطبية، واحتضانها قاعدة عسكرية أمريكية مهمة للإنذار الصاروخي والمراقبة الفضائية، إضافة إلى موارد طبيعية غير مستغلة، في ظل تصاعد النفوذ الروسي والصيني في القطب الشمالي.