بين المظلة الأمنية وضغوط ترامب.. هل تستطيع أوروبا الخروج من عباءة أمريكا؟

في ظل السجال الدائر بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحلفائها التقليديين في أوروبا وحلف الناتو، مرة بشأن مصير الحلف، ومرة أخرى بشأن غرينلاند، تتقافز أسئلة المحللين، ومحورها: هل تستطيع القارة العجوز أن تخرج من تحت العباءة الأمريكية؟

مع مطلع عام 2026 دخلت العلاقات بين الحلفاء التقليديين مساراً صعباً، ولم تعد تقتصر على مجرد تباين في وجهات النظر، بل تحولت إلى صراع إرادات علني، وغير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يرى أن القارة العجوز «ضلت طريقها» اقتصادياً وسياسياً، وهو يستخدم ملف جزيرة غرينلاند وبقاء «الناتو» وسيلة للضغط الجيوسياسي، في حين يرد الأوروبيون بحنجرة مبحوحة، من ذلك مثلاً، تصريحات رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الرافضة للابتزاز،

وقبله دعوات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للأوروبيين إلى عدم «الانحناء» أمام ضغوط ترامب، التي تضع القارة أمام مفترق طرق، فإما أن تملك فعلياً مقومات التمرد وإما تكتفي بصرخات تحذيرية قبل الرضوخ للأمر الواقع، وموازين القوى المختلة في غير مصلحتها.

ويراهن ترامب في سياسته الحالية على «تفتيت» الكتلة الأوروبية، من خلال استهداف كل دولة على حدة، وهو تكتيك يهدف إلى إضعاف المفوضية الأوروبية في بروكسل، فمن خلال ربط ملف غرينلاند بالرسوم الجمركية لا يهاجم ترامب التجارة فحسب، بل يضرب عصب الكبرياء القومي الأوروبي، الأمر الذي دفع قادة مثل ماكرون إلى تبني شعار «السيادة الاستراتيجية»، خياراً وحيداً للبقاء، حيث ترى باريس أن أي تنازل في ملف السيادة الدنماركية على غرينلاند سيعني سقوط أحجار الدومينو في ملفات أخرى، كالطاقة والدفاع.

الاعتماد  المتبادل

بعيدا عن التصريحات، الجريء منها والخجول، يواجه التمرد الأوروبي عقبات هيكلية، تمنعه من الانفصال الكامل عن المعسكر الغربي، الذي تقوده أمريكا، فالواقع يقول، إن المظلة النووية واللوجستية الأمريكية، لا تزال العمود الفقري للأمن الأوروبي، وهو ما يستغله ترامب.

ومن دلائل ذلك تحذير رئيس الكتلة البرلمانية للتحالف المسيحي المحافظ في ألمانيا، ينس شبان، من انتهاج مسار تصعيدي في الخلاف القائم مع واشنطن حول غرينلاند، حيث ذكر أهمية الولايات المتحدة بالنسبة للاتحاد الأوروبي وألمانيا.وقال شبان في مقابلة مع محطة «دويتشلاند فونك» الألمانية: «نحن نعتمد على الولايات المتحدة في قضايا الأمن»، مشيراً في ذلك إلى قضايا المشاركة النووية وأوكرانيا وروسيا، وكذلك المعلومات الاستخباراتية.كما دعا رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الألماني، أرمين لاشيت، إلى التحلي بضبط النفس،

وقال للقناة الثانية في التلفزيون الألماني «زد دي إف»: «إطلاق تصريحات طائشة الآن، ومحاولة الظهور بمظهر البطل، هذا تحديداً هو الأمر الخطأ»، مشيراً إلى أن الخطر يكمن في احتمال أن يسحب ترامب الدعم لأوكرانيا بشكل كامل.«الكابح» الحقيقي وبينما تحاول لندن وبرلين باريس تشكيل جبهة موحدة تظل المخاوف من انسحاب أمريكي مفاجئ من الالتزامات الدفاعية هي «الكابح» الحقيقي لأي رد فعل أوروبي يتجاوز حدود تنفيس الغضب،

إصرار

ومع ذلك فإن إصرار ستارمر على مواجهة ضغوط غرينلاند، يشير - ربما - إلى أن بريطانيا، حتى خارج الاتحاد الأوروبي، بدأت تدرك أن مصالحها باتت تتقاطع مع بروكسل أكثر من واشنطن، في ظل هذه الإدارة الأمريكية.

كما أن فرنسا ليست بعيدة عن إدراك مشابه، لذل، طالبت حلف الناتو بإجراء مناورة في غرينلاند، وأبدت استعدادها للمشاركة فيها،

صحيح أن عدداً من الدول أوروبية، من بينها فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، أرسلت قوات إلى الإقليم، في مهمة استطلاع، كجزء من مناورة نظمتها الدنمارك مع دول في الحلف، لكن هذه الخطوة جاءت من خارج إطار الحلف، وبالتالي، من دون مشاركة الولايات المتحدة.

ورغم ذلك أثارت هذه الخطوة غضب ترامب، الذي هدد حلفاءه المشاركين في هذه المناورات بفرض تعريفات جمركية جديدة، تصل إلى 25 %، ورداً على سؤال لصحافيين بشأن مدى استعداده للذهاب بعيداً لضم غرينلاند، قال ترامب «سترون ذلك».

قطب جديد

تبدو آفاق العلاقة في ظل إصرار ترامب على سياساته متجهة نحو «القطيعة المنظمة»، فنحن لا نشهد حرباً تجارية عابرة، بل استمرار لإعادة صياغة للنظام العالمي، وإن في سياق يوازي ما بدأته روسيا والصين وحلفاؤهما. إذا نجحت أوروبا في تفعيل أدوات الرد الجماعي وصمدت أمام الموجة الأولى من الرسوم الجمركية.

فقد نرى ولادة «قطب أوروبي» حقيقي، يقلل اعتماده على الدولار والتكنولوجيا الأمريكية، أما في حال تخلخلت الصفوف تحت وطأة الضغوط الاقتصادية الداخلية فإن «التمرد الأوروبي» سيتحول إلى مجرد مناورة تفاوضية، تنتهي بتسويات مريرة، تعيد رسم خريطة النفوذ في الشمال الأطلسي لصالح أمريكا.