ناقشت جلسة «من يصوغ ملامح فصل المستقبل؟» ضمن أعمال القمة العالمية للحكومات ، والدور الحاسم للسياسات العامة في توجيه هذه التقنيات بما يعزز جودة التعلم ويحافظ على جوهره الإنساني، وسط تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين الابتكار والتنظيم، وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تكون أداة للعدالة لا سببا لتوسيع الفجوات التعليمية.
وأجمع المتحدثون على أن القرار السياسي الأهم خلال السنوات الـ 5 إلى الـ 10 المقبلة يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين الابتكار والمساءلة، مؤكدين أن مستقبل التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي سيتحدد بناء على كيفية إدارة هذا التوازن. وأوضحوا أن إتاحة تقنيات الذكاء الاصطناعي للجميع تمثل شرطا أساسيا لعدم تعميق الفجوات التعليمية، خاصة أن هذه الأدوات لا تتطلب بنية تحتية معقدة ويمكن الوصول إليها عبر الهواتف المحمولة، ما يمنحها قدرة كبيرة على دعم التعليم إذا ما استخدمت بشكل عادل ومنصف. وأكدوا أن تنظيم الذكاء الاصطناعي في التعليم يجب أن يستند إلى مبادئ أخلاقية غير قابلة للتفاوض، في مقدمتها حماية الأطفال، وأمن البيانات، وخصوصية الأفراد، مع تجنب الإفراط في التشريعات التفصيلية التي قد تعيق الابتكار أو تحد من مرونة المؤسسات التعليمية. وشددوا على أن التقييم والقياس سيشكلان جوهر العملية التعليمية في المرحلة المقبلة، بحيث تعكس أدوات التقييم مستوى فهم الطلبة الحقيقي وقدراتهم التحليلية، لا مجرد قدرتهم على حفظ المعلومات، مؤكدين أن المعلم سيظل الركيزة الأساسية في بناء الإنسان وصناعة المستقبل.
وقالت جيلدا ألسيفار، وزيرة التربية والتعليم والثقافة والرياضة في جمهورية الإكوادور، إن بلادها تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مساراً استراتيجياً لإعادة بناء التعليم على أسس أكثر عدالة وإنسانية، لا سيما في الدول النامية التي تواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية وتكافؤ الفرص. وأوضحت أن الإكوادور تعتمد مقاربة تضع الإنسان في قلب التحول التقني، معتبرة أن أي استخدام للتكنولوجيا في التعليم يجب أن يبدأ من حماية الطفل وتمكين المعلم وضمان وصول الأدوات الرقمية إلى جميع الفئات دون تمييز.
وأضافت، أن سياسة التعليم في الإكوادور ترتكز على تطوير البنية التحتية الرقمية وتقليص فجوة الاتصال، خصوصاً في المناطق الريفية والقرى النائية، إلى جانب الاستثمار في بناء المواهب، مع إعطاء أولوية للمعلمين وأعضاء الهيئات التدريسية من خلال برامج تدريب وتأهيل تساعدهم على فهم الذكاء الاصطناعي واستخدامه كأداة داعمة للعملية التعليمية. وأوضحت أن الجامعات تشجع على استحداث تخصصات جديدة مرتبطة بالتقنيات الحديثة لإعداد كوادر وطنية قادرة على تطوير الحلول الرقمية محليا، مع توفير منح دراسية كاملة لأعضاء هيئة التدريس للعمل والتأهيل جنبا إلى جنب مع الطلبة. وقالت إن تنشئة الأطفال على فهم التكنولوجيا تبدأ منذ الصغر، ولكن ضمن إطار أخلاقي وإنساني واضح يحمي القيم والثقافة والهوية، مشيرة إلى تنفيذ مشروع «الحماة الرقميون» الذي يركز على حماية الأطفال من العنف الرقمي وبناء وعيهم بالبيئة الرقمية الآمنة. وأوضحت أن بلادها أبرمت شراكات مع القطاع الخاص لتقليص فجوة الاتصال وضعف التدريب في المناطق الريفية، مؤكدة أن هذه الشراكات تمثل رافعة أساسية لتسريع التنمية التعليمية دون المساس بالبعد الإنساني.
من جانبه قال البروفيسور مايكل كوشندورفر، الأستاذ المشارك في هندسة الطيران والفضاء وزميل معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المرتكز على الإنسان، إن تجربة جامعة ستانفورد تظهر كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في رفع كفاءة التعليم والبحث العلمي في آن واحد. وأوضح أن الجامعة تجمع بين التعليم الجامعي للفنون الحرة والبحث العلمي المتقدم، ما يتيح بيئة مناسبة لاختبار الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة. وأضاف أن الذكاء الاصطناعي ساعد الطلبة على الإجابة عن الأسئلة التي تنبع من فضولهم العلمي، خاصة في الحالات التي يتعثر فيها الطالب عند قراءة الكتب الدراسية التقليدية، حيث يصعب عليه أحيانا تجاوز فقرة غير مفهومة دون دعم مباشر من عضو هيئة التدريس.
وأوضح أن نماذج اللغة المدربة على كم هائل من الكتب والمراجع العلمية أصبحت قادرة على تقديم شروح متعددة المستويات لطلبة البكالوريوس والدراسات العليا من جامعات مختلفة، ما أسهم في تمكين عدد كبير من الطلبة من اللحاق بزملائهم وتحقيق تقدم أكاديمي ملموس. وأضاف أنه في مجال البحث العلمي، يطلب من طلبة الدكتوراه، بعد إجراء مراجعات أدبيات تقليدية باستخدام أدوات بحث أكاديمية، عرض أفكارهم على نماذج لغوية متقدمة، نظراً لقدرتها على الربط بين المصطلحات المختلفة عبر التخصصات العلمية، وهو ما أسهم في رفع كفاءة البحث وتعزيز الإبداع. وأوضح أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وفرة الإجابات، بل في الحفاظ على التفكير النقدي، مؤكدا أن جوهر هذا التفكير يتمثل في صياغة الأسئلة قبل البحث عن الحلول، لا سيما في عصر التزييف العميق الذي يتطلب فحص كل معلومة بعين ناقدة.
وقال البروفيسور جون لي تشي كين، رئيس جامعة التربية في هونغ كونغ، إن التجربة الآسيوية، وخصوصاً في الصين، تشهد استثماراً واسعاً ومنهجياً في التعليم الرقمي والتعليم الذكي، حيث خصصت موارد وسياسات طويلة الأمد لإدماج الذكاء الاصطناعي في المدارس منذ المراحل الابتدائية وحتى الثانوية. وأوضح أن هذا التوجه يهدف إلى بناء وعي مبكر لدى الطلبة بكيفية توظيف التكنولوجيا بصورة مسؤولة ومستدامة، وليس فقط إتقان استخدامها تقنيا.
وأضاف، أن جامعة التربية في هونغ كونغ تشجع الطلبة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الواجبات والأبحاث، شريطة الإفصاح عن ذلك والالتزام بالاستخدام الأخلاقي، إلى جانب تنفيذ أبحاث متعددة التخصصات بالتعاون مع جامعات أخرى. وأوضح أن المبادئ العامة لتطوير التعليم الرقمي متقاربة عالمياً، إلا أن الاختلاف يكمن في السياق الثقافي، ما يجعل طرح الأسئلة والاستقصاء الذكي أكثر أهمية من توليد الإجابات الجاهزة. وأضاف أن الثقة بالطلبة تمثل عنصرا أساسيا في أي نموذج تعليمي حديث، مؤكدا أنهم قادرون على استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة للتفكير والتحليل، لا كبديل عن العقل البشري.
واختتمت الجلسة بالتأكيد على أن التقييم والقياس سيحددان ملامح التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي، بحيث تعكس أدوات التقييم الفهم العميق للطلبة وقدرتهم على التحليل والتفكير، لا مجرد حفظ المعلومات، مع التأكيد على أن المعلم سيظل الركيزة الأساسية في بناء الإنسان وتحفيز الطلبة على الحلم وصناعة المستقبل، مهما تسارعت التقنيات وتعددت أدوات الذكاء الاصطناعي.
