الذكاء الاصطناعي والرقمنة ركيزتان أساسيتان لمستقبل العمل الحكومي

منذ انطلاق دورتها الأولى، اهتمت القمة العالمية للحكومات اهتماماً مبكراً واستراتيجياً بقضايا الذكاء الاصطناعي والرقمنة، بوصفهما ركيزتين أساسيتين لمستقبل العمل الحكومي، وشكلت القمة منصة عالمية لاستشراف التحولات التكنولوجية، ومناقشة سبل توظيف التقنيات الرقمية المتقدمة في تطوير الخدمات العامة، وتعزيز كفاءة المؤسسات الحكومية، وبناء نماذج حوكمة أكثر مرونة وابتكاراً.

ويقول عمرو كامل، مدير عام مايكروسوفت الإمارات: أسهمت القمة العالمية للحكومات، منذ انطلاقتها، في الارتقاء بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي من مفاهيم ناشئة إلى أولويات استراتيجية على أجندات الحكومات حول العالم. وقد وفرت القمة بشكل مستمر منصة عالمية لقادة الدول وصناع القرار لاستكشاف كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة الحياة، وتعزيز صنع القرار الحكومي القائم على البيانات والأدلة.

وما يميز القمة بشكل خاص هو تركيزها على تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، فمن خلال جمع صانعي السياسات والخبراء التقنيين والمؤسسات، أسهمت القمة في تسريع الانتقال من المشاريع التجريبية إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في مجالات الخدمات الحكومية والرعاية الصحية والتخطيط الاقتصادي، بما مكن الحكومات من تقديم خدمات أكثر كفاءة وتخصيصاً وسهولة وصول للمواطنين.

تجربة الإمارات

ويضيف كامل: وتجسد تجربة الإمارات هذا النهج بوضوح؛ فحسب تقرير «انتشار الذكاء الاصطناعي» الصادر عن مايكروسوفت، تحتل دولة الإمارات اليوم المرتبة الأولى عالمياً في تبني الذكاء الاصطناعي، حيث يستخدم نحو ثلثي السكان في سن العمل أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

ويعود هذا التقدم إلى استثمارات طويلة الأمد في البنية التحتية الرقمية، وأطر الحوكمة المسؤولة للذكاء الاصطناعي، وتنمية المهارات الوطنية. وقد أسهمت منصات مثل القمة العالمية للحكومات، إلى جانب الاستراتيجيات الوطنية، في نقل الحوار العالمي من التساؤل حول ما إذا كان ينبغي على الحكومات تبني الذكاء الاصطناعي إلى التركيز على كيفية تبنيه بشكل مسؤول وعلى نطاق واسع، بما يحول التكنولوجيا إلى محرك عملي لاتخاذ قرارات أفضل، وتعزيز كفاءة الخدمات العامة، وتحقيق قيمة مجتمعية مستدامة على المدى الطويل.

استثمارات نوعية

أما وليد شتا، رئيس «شنايدر إلكتريك» لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، فقال: ركزت القمة منذ انطلاقتها الأولى عام 2013 على استشراف مستقبل أفضل للبشرية، وتمكين الجيل القادم من الحكومات، وترسيخ نهج تعاوني مع الشركاء من مختلف القطاعات والتخصصات، وتسليط الضوء على أحدث التوجهات والتقنيات لتحسين جودة الحياة وتصميم وتنفيذ سياسات واستراتيجيات نوعية تعود بالفائدة على الأفراد والدول حول العالم.

ومنذ الدورة الأولى، أبرزت القمة أهمية التحول الرقمي والانتقال نحو مفهوم الحكومة والحوكمة الذكية لتحديد واستباق احتياجات مدن ومجتمعات المستقبل الذكية وتلبيتها، لا سيما في قطاع الطاقة.

وهذا ما حفزنا في «شنايدر إلكتريك»، ومن موقعنا كشريك عالمي موثوق للحكومات والشركات وقطاعات الأعمال في تكنولوجيا الطاقة والتحول الرقمي والذكي فيها، للحرص على المشاركة الدائمة في القمة، التي تشهد دورتها الأكبر هذا العام بدبي حضور 6250 مشاركاً و150 حكومة من مختلف أنحاء العالم، ليناقشوا خمسة محاور رئيسة؛ تستفيد جميعها من التطور الهائل والتبني المتسارع لتطبيقات واستخدامات الذكاء الاصطناعي والرقمنة في مختلف المجالات، وهي الحوكمة العالمية والقيادة الفعالة، والرفاه المجتمعي والقدرات البشرية، والازدهار الاقتصادي والفرص الناشئة، ومستقبل المدن والتحولات السكانية، والآفاق المستقبلية والفرص المقبلة.

وسنعرف خلال مشاركتنا هذا العام بالاستثمارات النوعية التي توجهها «شنايدر إلكتريك» بثقة نحو قطاع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الصاعد بقوة، بنسبة 20% من مجمل استثماراتها الجديدة، ونسلط الضوء على شراكاتنا محلياً وإقليمياً وعالمياً في مجال الذكاء الطاقي والتحول الرقمي في إدارة وتعزيز كفاءة إنتاج وتشغيل وتوزيع الطاقة.

وسنعرض، من منصة «القمة العالمية للحكومات»، التي كانت سباقة إلى إبراز دور الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في دعم قدرات صناعة القرارات الحكومية والاستراتيجية لتحقيق التنمية واستدامتها، أحدث حلولنا الرقمية والذكية المتكاملة لتمكين شركائنا من الإدارة الذكية لطاقة المستقبل.

ركائز الحوكمة العالمية

من جانبه، قال فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في «سنشري فاينانشال»: انتقلت القمة من التركيز في مراحلها الأولى على الرقمنة والذكاء الاصطناعي بوصفهما قضايا ناشئة في العمل الحكومي، إلى الاعتراف بهما اليوم كركيزتين أساسيتين في الحوكمة العالمية وصياغة السياسات العامة.

وقد تطورت القمة من اهتمامها المبكر بالحكومة الرقمية وأجندات الخدمات الإلكترونية إلى صياغة أطر توجيهية رائدة في حوكمة الذكاء الاصطناعي، تمثلت في إطلاق النسخة الأولى من المنتدى العالمي للذكاء الاصطناعي في عام 2018، بالتعاون مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومعهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات والأمم المتحدة، بهدف وضع إرشادات عالمية لحوكمة الذكاء الاصطناعي، وبحلول عام 2025 أرست القمة العالمية للحكومات ميثاق الذكاء الاصطناعي لدولة الإمارات، المتضمن 12 مبدأً، كما وضعت إرشادات شاملة لاعتماد الذكاء الاصطناعي في العمل الحكومي، بما أسس للبنية التحتية اللازمة لتنفيذ تطلعاتها في مجالي الذكاء الاصطناعي والرقمنة.

وقد أسهم ذلك في تحقيق تحسينات ملموسة في جودة الحياة ومستوى صنع القرار الحكومي في الدول المشاركة؛ ففي دبي أسفرت استراتيجية البنية التحتية الذكية المعتمدة استناداً إلى توصيات القمة عن تحقيق فوائد اقتصادية بلغت 290 مليار درهم إماراتي (79 مليار دولار) خلال الفترة من 2006 إلى 2024، وفقاً لما صرح به مطر الطاير، رئيس هيئة الطرق والمواصلات في الإمارة. في حين أسهم توظيف الذكاء الاصطناعي في إدارة حركة المرور في تحقيق نسبة التزام بالمواعيد بلغت 99.7% في مترو دبي.

أما على صعيد الكفاءة التشغيلية –يضيف فاليشا– فإن الذكاء الاصطناعي يتيح أتمتة ما يصل إلى 84% من المعاملات الحكومية المتكررة عبر أكثر من 200 عملية حكومية؛ ما يعزز قدرة الجهات الحكومية على الاستجابة لمتطلبات الجمهور. كما أسهمت مقترحات القمة في دعم قطاع التعليم، حيث قامت نحو 60% من المؤسسات التعليمية بتطبيق حلول قائمة على الذكاء الاصطناعي.

وساعدت الحلول المعتمدة على البيانات التي وفرتها القمة، مثل مؤشر إمكانات الإنتاجية وأداة الجاهزية للاستدامة ورادار التكنولوجيا، الحكومات على الانتقال من نهج تفاعلي إلى نهج استباقي، من خلال تحديد مجالات تحديات الإنتاجية والاضطرابات التكنولوجية التي تتطلب رؤية مستقبلية عند صياغة السياسات العامة.

ومن خلال التقارير الاستراتيجية، وأكثر من 80 شراكة مع منظمات دولية، وتحليل 73 دراسة حالة دولية في 32 دولة، برزت القمة العالمية للحكومات كآلية تمكن الحكومات من معالجة حوكمة الذكاء الاصطناعي بشكل منهجي، وتحويل الإمكانات التكنولوجية إلى فوائد ملموسة تعود بالنفع على المواطنين والمؤسسات.

ضغوط على الحكومات

ويرى ألفريد منسى، الرئيس التنفيذي للعمليات والشريك المؤسس في شركة «شفرة»، أن الحكومات تتعرض اليوم لضغوط كبيرة لتقديم خدمات أسرع بموارد أقل، مع الحفاظ على الدقة والامتثال وتعزيز ثقة الجمهور. ونتيجة لذلك -يعقب مناسيه- تتجه العديد من الحكومات إلى ما هو أبعد من الأدوات الرقمية؛ فهي تهدف إلى تبني أنظمة ذاتية التشغيل قادرة على تنفيذ المهام بشكل مستمر ضمن العمليات الحكومية.

وأضاف: نشهد حالياً التأثير الملموس الذي حققه هذا التحول، حيث تفيد المؤسسات التي توظف فرق الذكاء الاصطناعي المستقلة بتوفير أكثر من مليوني ساعة عمل شهرياً، وخفض التكاليف التشغيلية بنسبة تصل إلى 80%، مع الحفاظ على جودة الخدمة وسلاستها في المهام الكبيرة.

أما تأثير ذلك في جودة الحياة فهو تأثير مباشر؛ فهي تسرع من الاستجابة للمواطنين، وتحقق إدارة العمليات الداخلية بأخطاء أقل، وتحرر الموظفين الحكوميين من الأعمال الإدارية الروتينية؛ ما يتيح لهم التركيز على الحالات المعقدة وقرارات السياسة العامة. وأما بالنسبة إلى القيادة فإن هذه الأنظمة توفر رؤية فورية للأداء والمخاطر والمعوقات؛ ما يمكن من اتخاذ القرارات بصورة لحظية بدلاً من الاعتماد على التقارير المتأخرة.

يضيف مناسيه: لقد عززت القمة العالمية للحكومات هذا التوجه من خلال التأكيد المستمر على التنفيذ والحوكمة والجاهزية على المستوى الوطني. ومن خلال اعتبار الذكاء الاصطناعي قوة عاملة تشغيلية بدلاً من مجرد قدرة تجريبية تساهم القمة بمساعدة الحكومات على ترجمة طموحاتها إلى أنظمة فعالة تستخدم يومياً على نطاق واسع.

من الطموح إلى التنفيذ

الختام كان مع إسلام عبد الكريم، الرئيس الإقليمي لمجموعة «يانغو» في الشرق الأوسط، الذي أكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ينظر إليه كأداة مستقلة، بل كبنية تحتية تشغيلية يجب إدارتها ومراقبتها والوثوق بها. يعزز هذا التوجه عملية صنع القرار من خلال ضمان فهم القادة لكيفية عمل الأنظمة تحت الضغط، ومتى يصبح التصعيد ضرورياً، وكيفية تحقيق النتائج.

والمبادرات الوطنية، مثل استراتيجية الحكومة الرقمية لدولة الإمارات، تدعم قدرات القطاع العام وتمكنه من استخدام الذكاء الاصطناعي لإدارة أحجام الخدمات المتزايدة في مجالات الترخيص والرعاية الصحية والنقل والخدمات الاجتماعية، حيث تؤثر السرعة والاتساق بشكل مباشر في جودة الحياة.

وتسهم التحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي للمستندات وتوجيه الخدمات وتفسير البيانات بصورة لحظية بدعم معالجة الحالات بشكل أسرع مع الحفاظ على الرقابة. ومن الناحية العملية تعمل أنظمة البحث والتحليل على تقليل أوقات استرجاع المعلومات بما يصل إلى ثلاثة أضعاف؛ ما يسمح للموظفين الحكوميين بقضاء المزيد من الوقت في القرارات المعقدة التي تتطلب الحكم والقرار البشري.

وأضاف: ومن خلال ترسيخ مناقشات الذكاء الاصطناعي في إطار الحوكمة والمساءلة والتطبيق العملي، أسهمت القمة في مساعدة الحكومات على الانتقال من الطموح إلى التنفيذ، وتحسين موثوقية الخدمات، وتمكين اتخاذ قرارات عامة مستنيرة ومدعومة بالبيانات.