في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية، وتتداخل فيه التكنولوجيا مع أنماط الحياة والاقتصاد، لم تعد المدن تقاس بحجم عمرانها فقط، بل بقدرتها على إدارة الحركة والطاقة والبيانات والإنسان بكفاءة واستدامة، وفي هذا السياق، تبرز دبي كأحد النماذج العالمية المتقدمة في بناء مدينة ذكية متكاملة، استطاعت ترسيخ مكانتها وجهة مفضلة لاستضافة كبرى الفعاليات والمؤتمرات الدولية، وفي مقدمتها القمة العالمية للحكومات.
المباني الذكية تلعب دوراً محورياً في جاهزية دبي لاستضافة الأحداث العالمية
النقل الذاتي والذكي أحد أبرز أعمدة نموذج دبي الحضري ومترو دبي العمود الفقري فيه
اعتماد أنظمة الطاقة الذكية لإدارة الأحمال يضمن استقرار الإمدادات الكهربائية
18 مركز بيانات في دبي و8 قيد التخطيط والإنشاء
بنية تحتية
فقد استثمرت دبي على مدى سنوات في بناء بنية تحتية رقمية متقدمة، تقوم على تكامل الأنظمة الحكومية، وربط الخدمات بالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، هذا التكامل أتاح إدارة سلسة للمدينة خلال الفعاليات الكبرى، سواء على مستوى التنقل، أم الطاقة، أم الخدمات، أم الأمن، ما قلص التكاليف التشغيلية ورفع كفاءة الاستجابة في الزمن الحقيقي.
وتعد قدرة المدينة على تشغيل عشرات الجهات الحكومية والخاصة ضمن منظومة رقمية واحدة عاملاً حاسماً في إنجاح الأحداث العالمية، حيث تتحول المدينة نفسها إلى منصة تشغيل ذكية.
وتستضيف إمارة دبي 18 مركز بيانات بقيمة أصول تبلغ 815 مليون دولار، حيث تتصدر دبي مدن الشرق الأوسط في عدد مراكز البيانات، إلى جانب 8 مراكز بيانات جديدة قيد التخطيط والإنشاء حالياً.
نقل ذاتي
يشكل النقل الذاتي والذكي أحد أبرز أعمدة نموذج دبي الحضري، فقد قطعت الإمارة شوطاً متقدماً في اعتماد المركبات ذاتية القيادة، وتطوير أنظمة إدارة الحركة المرورية باستخدام الذكاء الاصطناعي، إلى جانب شبكات مترو وترام عالية الاعتمادية.
وخلال الفعاليات الكبرى، يظهر أثر هذه الاستثمارات بوضوح، حيث تنخفض الاختناقات، وتتحسن أزمنة التنقل، وتدار حركة مئات الآلاف من الزوار بكفاءة عالية. ولا ينظر إلى النقل في دبي كوسيلة انتقال فقط، بل كأداة لتحسين جودة الحياة وتعزيز تجربة الزائر.
ويعتبر مترو دبي العمود الفقري لنظام النقل الذكي في الإمارة، حيث يصنف واحداً من أطول شبكات المترو من دون سائق في العالم بطول يقترب من 90 كيلومتراً موزعة على 55 محطة، ومع حلول عام 2026، تمضي دبي قدماً في تعزيز هذا النظام من خلال تسريع العمل في مشروع «الخط الأزرق»، الذي من المتوقع أن يصل لنسبة إنجاز 30% بنهاية هذا العام، ليربط مناطق حيوية جديدة ويخدم أكثر من مليون نسمة.
كما تستعد دبي لإطلاق أول خدمة تجارية للتاكسي الطائر بحلول نهاية العام الجاري، بالتزامن مع التوسع في تشغيل المركبات ذاتية القيادة في مناطق مثل جميرا والذي يجري تجريبها حالياً في مناطق محددة من المدينة.
مبانٍ ذكية
وتلعب المباني الذكية دوراً محورياً في جاهزية دبي لاستضافة الأحداث العالمية. فالمراكز والمؤتمرات والفنادق تعتمد أنظمة ذكية لإدارة الطاقة والمياه والتكييف والإضاءة، ما يضمن كفاءة تشغيلية عالية، واستدامة بيئية، وتجربة مريحة للمشاركين.
كما تتيح هذه الأنظمة مراقبة الاستهلاك في الزمن الحقيقي، والتكيف مع حجم الطلب المتغير خلال الفعاليات، وهو عنصر أساسي في المدن التي تستضيف أحداثاً دولية كبرى بوتيرة متكررة.
وتدار الطاقة في دبي ضمن إطار المدينة الذكية من خلال منظومة متكاملة تجمع بين التخطيط طويل الأمد، والتقنيات الرقمية، وكفاءة الاستهلاك، وتعتمد الإمارة على شبكات كهرباء ومياه ذكية تدار عبر أنظمة تحكم مركزية تتيح المراقبة اللحظية للأحمال، والتنبؤ بالطلب، وتقليص الفاقد، ما يعزز استقرار الشبكة وكفاءتها التشغيلية.
حجر أساس
ويشكل مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية حجر الأساس في هذا النموذج، باعتباره أحد أكبر مشاريع الطاقة المتجددة في العالم، إلى جانب التوسع في العدادات الذكية، وأنظمة إدارة الطاقة في المباني، وربطها بمنصات رقمية تسمح للمستهلكين والجهات الحكومية بمتابعة الاستهلاك واتخاذ قرارات أكثر كفاءة.
كما تدمج دبي حلول تخزين الطاقة، والبنية التحتية لشحن المركبات الكهربائية، وإدارة الطلب في أوقات الذروة، ضمن رؤية تهدف إلى رفع حصة الطاقة النظيفة، وخفض الانبعاثات، وتحويل الطاقة من قطاع تقليدي إلى عنصر ذكي يدعم الاستدامة وجودة الحياة ويواكب النمو الحضري المتسارع.
وأسهمت إدارة الطاقة الذكية في دبي بدور محوري في تعزيز قدرتها على استضافة الأحداث العالمية الكبرى بكفاءة عالية واستدامة طويلة الأمد، فاعتماد أنظمة ذكية لإدارة الأحمال وتوزيع الطاقة يضمن استقرار الإمدادات الكهربائية خلال فترات الذروة التي تشهدها الفعاليات الكبرى، دون انقطاع أو ضغط على الشبكات.
كما مكنت حلول الطاقة النظيفة وإدارة الاستهلاك الذكي من تشغيل مراكز المعارض، والملاعب، والفنادق، ووسائل النقل بكفاءة عالية وبصمة كربونية منخفضة، وهو عامل بات يشكل معياراً أساسياً لدى الجهات المنظمة الدولية، وإلى جانب ذلك، تتيح البنية الرقمية المتقدمة رصد استهلاك الطاقة لحظياً، وتحسين الأداء التشغيلي أثناء الفعاليات، بما يعزز موثوقية البنية التحتية، ويرسخ صورة دبي مدينة قادرة على استضافة ملايين الزوار والأحداث الضخمة ضمن إطار حضري ذكي ومستدام.
مشروع استراتيجي
ويعد مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية، الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عام 2012، وتنفذه هيئة كهرباء ومياه دبي، أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية في مسيرة الدولة نحو مستقبل مستدام يعتمد على الطاقة المتجددة والنظيفة.
وتبلغ القدرة الإنتاجية للمجمع 3860 ميجاوات، وستصل إلى أكثر من 8000 ميجاوات بحلول عام 2030، مقارنة بـ 5000 ميجاوات في المخطط الأصلي، وتتجاوز نسبة الطاقة النظيفة 21.5 % من إجمالي القدرة الإنتاجية للهيئة، وستصل إلى 36 % بحلول 2030، مقارنة بـ 25 % في المخطط الأصلي، ما سيقلل الانبعاثات الكربونية بأكثر من 8.5 ملايين طن سنوياً.
ويدعم المجمع أهداف استراتيجية الإمارات للحياد المناخي 2050، واستراتيجية دبي للطاقة النظيفة 2050، واستراتيجية الحياد الكربوني 2050 لإمارة دبي، لتوفير 100 % من القدرة الإنتاجية للطاقة في دبي من مصادر نظيفة بحلول عام 2050. وتنفذ الهيئة مشاريع المجمع بالشراكة مع القطاع الخاص عبر نموذج المنتج المستقل للطاقة، في تجربة ريادية تجسد التكامل بين الرؤية الحكومية والابتكار التقني والكفاءة في الاستثمار.
بنية حضرية راقية
ولا تستضيف دبي الفعاليات بجهود استثنائية مؤقتة، بل لأن بنيتها الحضرية مصممة أصلاً لهذا الغرض.
من المطارات الذكية، إلى الموانئ، إلى شبكات الاتصالات فائقة السرعة، تعمل عناصر المدينة كمنظومة واحدة قادرة على استيعاب التدفقات البشرية والإعلامية والاقتصادية الضخمة.
وهذا ما يجعل استضافة القمم والمؤتمرات في دبي عملية تشغيلية طبيعية، لا اختباراً للقدرة أو مخاطرة تنظيمية.
نموذج تطبيقي
وتمثل القمة العالمية للحكومات مثالاً عملياً على هذا التكامل. فالقمة لا تناقش مستقبل الحكومات من حيث السياسات فقط، بل تعقد داخل مدينة تطبق فعلياً مفاهيم الحكومة الذكية، والخدمات الرقمية، والبنية التحتية المستقبلية.
وتتحول دبي خلال أيام القمة إلى مختبر حي، يختبر فيه القادة وصناع القرار كيف يمكن للتكنولوجيا أن تخدم الإدارة العامة، والاقتصاد، والمجتمع، عندما تكون الرؤية واضحة والتنفيذ متراكماً.
تخطيط واستثمار
إن نجاح دبي في استضافة كبرى الأحداث لا يرتبط بالموقع الجغرافي أو الإمكانات المالية وحدها، بل بنهج طويل الأمد يقوم على التخطيط، والاستثمار في التكنولوجيا، وبناء القدرات المؤسسية. وهو ما جعل المدينة نموذجاً يدرس في كيفية تحويل البنية التحتية الذكية إلى رافعة اقتصادية ودبلوماسية وتنموية.
وتؤكد تجربة دبي دوماً أن المدن الذكية ليست مفهوماً مستقبلياً نظرياً، بل واقعاً قابلاً للتطبيق، وأن البنية التحتية المتقدمة والنقل الذاتي والمباني الذكية لم تعد رفاهية، بل شرطاً أساسياً لأي مدينة تطمح إلى لعب دور عالمي في استضافة الأحداث وصناعة المستقبل.
تصنيف عالمي
وحلت مدينة دبي في المركز الأول عربياً والرابع عالمياً في مؤشر المدن الذكية الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية «آي إم دي»، وبحسب تقرير المعهد الدولي، تقدمت دبي إلى المركز الرابع عالمياً في عام 2025، بعد أن كانت في المركز الثاني عشر العام الماضي.
ويعد هذا المؤشر الأكثر شمولاً من نوعه، إذ يصنف 141 مدينة حول العالم استناداً إلى تقييم بنيتها التحتية وتقنياتها، لمعرفة مدى تأثيرها على حياة سكانها، كما يركز مؤشر المدن الذكية بشكل متوازن على الجوانب الاقتصادية والتكنولوجية لتلك المدن من جانب، وعلى الأبعاد الإنسانية بما يشمل جودة الحياة، والبيئة، والشمولية من ناحية أخرى.
كفاءة عالية
وتجسد دبي مفهوم المدينة الذكية في قدرتها المتقدمة على إدارة الحشود بكفاءة عالية، لا سيما خلال الفعاليات الكبرى التي تستقطب ملايين الزوار سنوياً، وتعتمد الإمارة على منظومة متكاملة من الحلول الرقمية القائمة على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، تشمل شبكات واسعة من الكاميرات الذكية، وأنظمة المراقبة التنبؤية، وربط حركة الزوار بوسائل النقل والخدمات في الزمن الحقيقي.
وتتيح هذه التقنيات توقع كثافة الحشود قبل حدوثها، وتوجيه التدفقات البشرية بسلاسة، وتقليص أزمنة الاستجابة للطوارئ، بما يضمن أعلى مستويات السلامة والانسيابية التشغيلية، وقد أثبت هذا النموذج فعاليته في إدارة أحداث عالمية كبرى، مؤكداً أن دبي لا تكتفي باستيعاب الأعداد الضخمة، بل تديرها ضمن إطار حضري ذكي يحافظ على جودة الحياة واستمرارية الخدمات.
